اعلانات منتديات شيعة الامام علي
تحميل جميع انواع الملفات برابط مباشر

اختر اللون المناسب:
التميز التلقائي خلال 24 ساعة
 العضو الأكثر نشاطاً هذا اليوم   الموضوع النشط هذا اليوم   المشرف المميزلهذا اليوم 

مشبات رخام , مشبات مودرن , مشبات جبس , بناء مشبات , 0503250430
بقلم : سلمي مالك
قريبا

   
العودة   منتديات شيعه الامام علي ع > المنتديات العامة > منتدى القران الكريم وتفسير > نهج البلاغة
   
نهج البلاغة خطب امير المؤمنين الامام علي ( ع )

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
   
   
قديم 03-20-2019, 10:53 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عضو حسيني
عضو مميز

إحصائية العضو






 

الشيخ عباس محمد غير متصل حالياً

 


المنتدى : نهج البلاغة
افتراضي دراسات في نهج البلاغة / 12 درس

الدرس الأول: التراث الخالد


أهداف الدرس:

1- أنْ يتعرّف الطالب إلى أهميّة نهج البلاغة.
2- أنْ يُدرك كيفيّة جمع نهج البلاغة.
3- أنْ يُحيط بمحتويات نهج البلاغة.
4- أنْ يتعرّف إلى جامع كلام الإمام عليه السلام.
5- أنْ يتعرّف إلى المؤلَّفات بعد الشريف الرضي.

11

تمهيد

لا يزال كتاب نهج البلاغة مفخرةً من مفاخر ما قدّمته الحضارة الإسلاميّة للبشريّة جمعاء.

فبفضل ما يختزنه هذا الكتاب من المعاني، صار بعد كتاب الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قِمّة الذخائر البيانيّة الّتي تمدُّ الأدب العربيّ والفكر الإنسانيّ بأضخم الطاقات الفكريّة والعلميّة.

هو كتاب بلا حدود، ليس كتاب بلاغةٍ فحسب، بل هو نهج حياة وفلاح وجهاد، ونهج لسلوك طريق العدل والمساواة، وللهداية ولمعرفة الطريق المستقيم. ولا يزال نهج البلاغة وسيبقى رائداً لكلّ الأجيال عبر كلِّ العصور والقرون، ولهذا لم يعد بحاجة إلى تعريف، فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار.

ولقد كان نهج البلاغة رائداً لكلِّ حَمَلَة العلم والأدب والحديث في العصور المتقدِّمة وإلى يومنا الحاضر. ونجد أنّ أعلام البلاغة يشهدون بأنهم إنّما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من خلال اهتمامهم بحفظ نهج البلاغة كما كانوا يحفظون القرآن الكريم.


13

قال المسعوديّ في مروج الذهب:

"حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة، ونيِّف وثمانين خطبة يورِدونها على البديهة، وتداول الناس عنه ذلك قولاً وعملاً"1.

وكان لنهج البلاغة دور كبير في وصول بعضهم إلى قمّة البيان وفصاحة اللسان، فقد أجمع المؤرّخون أنّ أبا غالب عبد الحميد بن يحيى بن سعد الكاتب الأديب والكاتب المعروف2 قال: "حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثُمَّ فاضت". وقال الخطيب ابن نباتة3: "حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلّا سعةً وكثرة، وحفظت مائة فصلٍ من مواعظ عليّ بن أبي طالب عليه السلام"4... وممّا قاله ابن أبي الحديد شارح النهج: "ويكفي هذا الكتاب دلالةً على أنّه لا يُجارى في الفصاحة، ولا يُبارى في البلاغة، وحَسْبُك أنّه لم يدوّن لأحدٍ من فصحاء الصحابة العُشر ولا نصف العُشر ممّا دوِّن له. وكفاك في هذا الباب ما يقوله الجاحظ في مدحه في كتاب البيان والتبيين وفي غيره من كتبه"5.

كيف جُمِع نهج البلاغة؟

لا يشكّ أحدٌ من المسلمين فضلاً عن غيرهم بأنّ التراث الأدبيّ والعلميّ للإمام عليّ عليه السلام المتمثِّل في الوقت الحاضر بخطبه المجموعة في نهج

14

البلاغة وفي غيره من الكتب، هو أعظم تراث أدبيّ ودينيّ وأخلاقيّ واجتماعيّ وسياسيّ بعد القرآن الكريم. ولكن كيف جُمِع كلام الإمام عليه السلام من قِبل الشريف الرضيّ؟ وما السبب الّذي دعاه إلى ذلك؟

يقول الأديب والعالم محمّد بن أبي أحمد المشهور بالشريف الرضيّ6 إنّه بعد أن فرغ من كتابة القسم الأوّل من كتاب "خصائص الأئمّة" باسم "خصائص أمير المؤمنين عليه السلام" وبطلبٍ من بعض معارفه, جمع خُطب وكُتب وكلمات أمير المؤمنين عليه السلام وسمّاها بـ "نهج البلاغة". وقد كتب في مقدّمته السبب الّذي دعاه إلى تأليف هذا الكتاب، وجاء فيها:

"وكنت في عنفوان السّن7 ، وغضاضة الغصن، ابتدأت بتأليف كتاب خصائص الأئمّة عليهم السلام يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلامهم... وفرغت من الخصائص الّتي تخصُّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام وعاقت عن إتمام بقيّة الكتاب محاجزات الزمان8... فاستحسن جماعة من الأصدقاء والإخوان ما اشتمل عليه الفصل المقُدّم ذكره معجبين ببدائعه.. وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه، ومتشعّبات غصونه، من خطب وكتب ومواعظ وآداب، علماً أنّ ذلك يتضمّن عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر العربيّة وثواقب الكلم9 الدينيّة والدنيويّة ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الأطراف.. فأجبتهم إلى الابتداء بذلك، عالماً بما فيه من عظيم النفع..

15

ورأيت كلامه عليه السلام يدور على أقطاب ثلاثة:

الأول: الخطب والأوامر.
الثاني: الكتب والرسائل.
الثالث: الحكم والمواعظ.

فأجمعت بتوفيق الله تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثُمّ محاسن الحكم والأدب، مُفرِداً لكلِّ صنف من ذلك باباً ومفصِّلاً فيه أوراقاً مقدّمة لاستدراك ما عساه يشذّ عنّي عاجلاً ويقع إليّ عاجلاً.. ولا أدّعي مع ذلك أنّي أُحيط بأقطار جميع كلامه عليه السلام حتّى لا يشذّ عنّي منه شاذّ ولا يندّ نادّ، بل لا أبعد أن يكون القاصر عنّي فوق الواقع إليّ، والحاصل في ربقتي10 دون الخارج من يدي..

ورأيت من بَعْدُ تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة.."11.

محتويات الكتاب بحسب الموضوعات

يُمكن تقسيم محتويات نهج البلاغة موضوعيّاً وأسلوبيّاً بشكلٍ إجماليّ إلى أقسام:

أوّلاً: الكلام في التوحيد والعدل وصفات الباري تعالى وتنزيهه عن شبه الخلق.
ثانياً: الخطب السياسيّة وخطب الحروب والتظلّم.
ثالثاً: الخطب الدينيّة في الوعظ والترهيب والترغيب وذمّ الدنيا، والأخلاقيّات، ومدح العلم.

16

رابعاً: الوصايا.
خامساً: الأدعية.
سادساً: الملاحم.
سابعاً: الوصف، كوصف الطاووس والخفّاش والنملة, ووصف الجنّة...
ثامناً: الكتب والرسائل.
تاسعاً: الحِكَم القصيرة.

هذا وقد احتوى نهج البلاغة على (241) خطبة، و(79) كتاباً، و(048) كلمة تامّة.

هل كان الرضيّ أوّل من جمع خطب الإمام عليه السلام؟

حظي كلام الإمام عليّ عليه السلام باهتمام بالغ وخاصّة من الخطباء والبلغاء والوعّاظ، ولهذا نجد أكثرهم يهتمّون بجمع كلماته، ويروون خطبه، ويحفظون أقواله.

ولم يكن الشريف الرضيّ هو السابق إلى جمع كلام الإمام عليّ عليه السلام، ولا الأوّل في تدوينه، فقد عني الناس به عنايةً بالغة، وحظي بما لم يحظ به كلام أحدٍ من البلغاء على كثرتهم في الجاهليّة والإسلام، ودوّنوه في عصره، وحفظوه في أيّامه، وكتبوه ساعة إلقائه. ومن هؤلاء زيد بن وهب الجهنيّ، وكان من أصحاب الإمام عليّ عليه السلام، وشهد معه بعض مشاهده حيث جمع كتاباً من خطبه، والحارث الأعور الّذي دوّن بعض خطب الإمام عليه السلام، والأصبغ بن نباتة الّذي روى عنه عهده للأشتر النخعيّ لمّا ولاّه مصر، ووصيّته لولده محمّد بن الحنفيّة.

17

ومن الّذين حفظوا كلام الإمام عليه السلام ورووه: شريح القاضي12 ، وكميل بن زياد النخعيّ 13، ونوف البكّاليّ 14، وضرار بن ضمرة الضبائيّ 15، فهؤلاء سمعوا بعض كلامه عليه السلام وحفظوه. وذكر الجاحظ (255 هـ- 868م)أنّ خطب الإمام عليّ عليه السلام كانت مدوّنة محفوظة مشهورة. وأحصى المسعوديّ ما كان محفوظاً من خطبه عليه السلام - كما ذكرنا - وعدّها بأربعمائة خطبة.

ومن خلال النصوص المذكورة بأقلام الأعلام على اختلاف مذاهبهم، وفيهم المتقدِّم على الرضيّ بزمان طويل، يتبيّن لنا أنّ خطب الإمام عليّ عليه السلام كانت مدوّنة محفوظة مشهورة بين الناس معروفة عندهم، وأنّها تنوف على أربعمائة وثمانين، بينما المذكور منها في الكتاب الّذي جمعه الرضيّ لا يصل إلى هذا العدد.

وبهذا يتّضح أنّ الشريف الرضيّ لم يكن هو أوّل من جمع خطب الإمام عليّ عليه السلام، بل هناك من سبقه إلى هذا العمل.

مضافاً إلى ذلك فقد ذكر السيّد عبد الزهراء الخطيب في كتابه (مصادر نهج البلاغة وأسانيده) أسماء المصنّفات والكتب الّتي جمعت كلام الإمام عليّ عليه السلام قبل زمن الشريف الرضيّ، وعددها اثنان وعشرون مؤلّفاً ومصنّفاً 16، منها:
1 - خُطب أمير المؤمنين عليه السلامعلى المنابر في الجُمع والأعياد وغيرها،

18

زيد بن وهب الجهنيّ. والظاهر أنّ هذا الكتاب أوّل كتاب جمع خطبه عليه السلام، لأنّ مؤلّفه أدرك الجاهلية والإسلام.

2 - خُطب أمير المؤمنين عليه السلام المرويّة عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد ذكرها ورواها أبو روح فرج بن فروة عن مسعدة بن صدقة. وقد وصلت نسخة من هذا الكتاب إلى السيّد عليّ بن طاووس، وكتب عليها أنّها كُتبت بعد المائتين من الهجرة17.

3 - مائة كلمة لأمير المؤمنين عليه السلام: اختارها أبو عثمان عمرو بن عثمان الجاحظ من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، واختار الشريف الرضيّ جملة منها، وأثبتها في النهج18.

4 - رسائل أمير المؤمنين عليه السلام وأخباره وحروبه: لإبراهيم بن محمّد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن مسعود الثقفيّ الكوفيّ.

بالإضافة إلى الكثير من المؤلّفات الّتي لم نذكرها اختصاراً.

المؤلّفات بعد الرضيّ

كما أنّ الشريف الرضيّ لم يكن أوّل من جمع وألّف في كلام الإمام عليّ عليه السلام، كذلك لم يكن آخر من قام بذلك. ولم تنحصر كلمات وحِكَم ومواعظ أمير المؤمنين عليه السلام بالّذي جمعه الرضيّ فحسب، بل إنّ كلام الإمام عليه السلام ذا الطابع الخاصّ تميّز عن كلام غيره من الخطباء والبلغاء. ولهذا فقد حاول كثير من العلماء والأدباء على مرِّ العصور قبل عصر الرضيّ ـ كما تقدّم ـ وبعده أن يُفرِدوا لكلامه كتباً خاصّة ودواوين مستقلّة، بقي بعضها وذهب الكثير منها

19

مع الأيّام في جملة ما ذهب من الكتب الشيعيّة والإسلاميّة عموماً حيث تعرّضت للنهب والإحراق. فعند زوال دولة الفاطميّين أُلقي الكثير من هذه الكتب في النار وبعضها الآخر في نهر النيل. وقد غالى الأيّوبيّون في القضاء على كلّ أثرٍ للشيعة. وليس خافياً على أحد ما مُنيت به مؤلّفات الشيخ الطوسيّ وكتبه أيّام الفتنة الهوجاء في عهد طغرلبك السلجوقيّ الّتي جرى فيها من الأمور العظيمة ما لم يجرِ مثله في الدنيا. فقد أُحرِقت كتبه على رؤوس الأشهاد في رحبة جامع النصر. ولا يخفى ما فعله الجزّار أحمد باشا عندما احتلّ منطقة جبل عامل وأباح مدنها وقراها وأحرق كتب العلماء، حتّى أنّ أفران مدينة عكا أُوْقِدت سبعة أيّام من كتب العامليّين19

وأحصى العلماء والمحقّقون ثمانيةً وأربعين مؤلّفاً من كلام الإمام عليّ عليه السلام، بالإضافة إلى ما ذكره بعضهم من أنها أكثر من ذلك، وأهمّ هذه المؤلّفات:

1 - دستور معالم الحِكَم ومأثور مكارم الشِّيم من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: لأبي عبد الله محمّد بن سلامة بن جعفر الفقيه الشافعيّ المعروف بالقاضي القضاعيّ، المتوفّى سنة (454) هـ.

2 - كلام الإمام عليّ عليه السلام وخطبه: لأبي العبّاس يعقوب بن أحمد الصيمريّ، النيسابوري (توفّي 474 هـ).

3 - نثر اللآلئ: للشيخ أمين الإسلام أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسيّ، المفسِّر المشهور المتوفّى سنة (548) هـ.

4 - غرر الحِكَم ودرر الكلِم: لأبي الفتح ناصح الدين عبد الواحد بن محمّد بن عبد الواحد الآمديّ ( توفّي سنة 550 هـ)، من مشايخ ابن شهرآشوب.

20

5- منثور الحِكَم: لأبي الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمّد البكريّ الشهير بابن الجوزيّ، من أفاضل علماء الحنابلة(توفّي سنة 597 هـ).

6 - نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: للعلّامة المحقّق الشيخ محمّد باقر بن عبد الله المحموديّ معاصر، وهو موسوعة تبلغ ثمانية مجلّدات.

بالإضافة إلى غيرها من الكتب... ولكن على الرغم من القيمة العلميّة والأهميّة البالغة لهذه الكتب والمؤلّفات في ميزان العلم ومتاجر الفضل، بقي هذا (النهج) الّذي جمعه الرضيّ هو الكتاب الخالد على الدهر، ولا يُبليه الزمان مهما طال عمره.

حفظ وشرح نهج البلاغة

بلغ كتاب نهج البلاغة من العظمة والتقديس ما لم يبلغه كتاب غير القرآن الكريم، وذلك لمحتوياته الثمينة، ومضامينه القيّمة. ومن هنا قام العديد من الأعلام بحفظه وحثّ الناس على الأخذ به وتعلّمه، فكان من حَفَظته القاضي جمال الدين محمّد بن الحسين بن محمّد القاشانيّ. ومن حفَّاظه في القرون المتقدِّمة: الخطيب أبو عبد الله محمّد الفارقي المتوفّى سنة (564) هـ.، والمؤرّخ الشاعر الشيخ محمّد حسين مروّة الحافظ العامليّ، وغيرهم ممّن لا يتّسع المجال لذكرهم من الّذين حفظوا كتاب نهج البلاغة.

وهكذا توالت وتضافرت الشروح حول (نهج البلاغة) منذ عهدٍ قريب من عصر السيّد الرضيّ إلى عصرنا الحاضر، وممّن شرحه:

1 ـ السيّد عليّ بن الناصر المعاصر لسيّدنا الرضيّ شرحه وأسما شرحه بـ(أعلام نهج البلاغة) وهو أوّل الشروح وأقدمها.

21

2 ـ أبو الحسين سعيد بن هبة الله قطب الدين الراونديّ المتوفّى 573 أسما شرحه بـ(منهاج البراعة).

3 ـ القاضي عبد الجبّار المردّد بين جمع مقارنين بعصر شيخ الطائفة ذكره العلّامة النوريّ في (المستدرك).

4 ـ الفخر الرازي محمّد بن عمر الطبري الشافعيّ المتوفّى 606 كما صرّح به القفطيّ في (تاريخ الحكماء).

5 ـ أبو حامد عزّ الدين عبد الحميد الشهير بابن أبي الحديد المعتزلي المدايني المتوفّى سنة 655، له شرحه الدائر الّذي اختصره المولى سلطان محمود الطبسيّ الآتي ذكره.

6 ـ كمال الدين الشيخ ميثم بن عليّ بن ميثم البحرانيّ المتوفّى 679، له شرحه الكبير والمتوسّط والصغير.

7 ـ السيّد نعمة الله بن عبد الله الجزائري التستريّ المتوفّى 1112له شرحه في ثلاث مجلّدات.

8 ـ الحاج ميرزا حبيب الله الموسويّ الخوئيّ المتوفّى حدود 1326، له شرحه الكبير الموسوم بـ(منهاج البراعة).

وتُرجِم الكتاب إلى اللّغات غير العربيّة. وقد ذكر السيّد محسن الأمين بعض هذه الشروح في كتاب (أعيان الشيعة)20 ، والشيخ الأمينيّ في كتاب (الغدير)، والآقا بزرك الطهرانيّ في كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة)21. والمعلوم أنّ شروح نهج البلاغة بلغت المائتين وما فوق. ولو قُدَِّر لأحد أن يحظى بكلّ ما

22

أُلِّف حول (النهج) قديماً وحديثاً لاجتمع له مكتبة برأسها تستحقّ أن يُطلق عليها (مكتبة نهج البلاغة).

خلاصة الدرس

- جامع نهج البلاغة هو الشريف الرضيّ.

ـ المحتويات العامّة لنهج البلاغة:

1 ـ الخطب ـ 2 ـ الكتب والرسائل ـ 3 ـ الحِكم والمواعظ.

ـ ليس الشريف الرضيّ أوّل جامع لكلام الإمام عليه السلام ولا آخر مهتمّ به.

ـ وممّن اهتمّ بكلام الإمام عليه السلام قبل الرضيّ، زيد بن وهب الجهنيّ، أبو روح فرج بن فروة، عمرو بن عثمان الجاحظ، وغيرهم.

ـ أمّا المؤلّفات بعد الشريف الرضيّ فهي كثيرة منها: نثر اللآلئ للشيخ الطبرسيّ، غرر الحكم ودرر الكلم للآمديّ، منثور الحكم لابن الجوزيّ، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة للشيخ المحموديّ، وغيرها الكثير.

أســــــئـلـــة

1- أذكر بعضاً من المحتويات العامّة لنهج البلاغة.

2 - من هو جامع نهج البلاغة، وهل هو الوحيد الذي انفرد في جمع خطب أمير المؤمنين عليه السلام؟

3 - كم بلغت شروح نهج البلاغة ولماذا هذا الاهتمام الكبير به من قبل العلماء؟

23

هوامش

1- مروج الذهب ومعادن الجوهر، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت، 346)، ج2، ص 431، دار الهجرة، قم.
2- عبد الحميد الكاتب كان في بادئ أمره معلّماً بالكوفة، ثم تنقّل بين البلدان واتّصل بمروان بن محمّد آخر خلفاء بني أميّة أيّام ولاية أرمينيا، وصحبه وكتب له وانقطع إليه، وكان كاتبه أيام خلافته، وحضر جميع وقائعه، ثم تحوّل عنه إلى أن صار في صفوف أعدائه، ظفر به عبد الله بن علي فقطع يديه ورجليه وتوفي سنة 132 هـ في بوصير.
3-هو أبو يحيى عبد الرحيم بن محمّد بن إسماعيل بن نباته، إتّصل بسيف الدولة في حلب، وكان سيف الدولة كثير الغزوات، ولذلك أكثر ابن نباتة من خطب الجهاد، توفي سنة 374 هـ. قبل صدور نهج البلاغة بست وعشرين سنة.
4-أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين، دار التعارف، ج1، ص 341.
5- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، تحقيق، محمّد أبو الفضل ابراهيم، دار إحياء الكتب العربية، بيروت، ج1، ص10.
6-الشريف الرضيّ ذو الحسبين محمّد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم، ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام. ولِد في بغداد سنة (359) هـ، ونشأ بها وأقام وسكن وتوفي بها يوم الأحد في السادس من محرّم من سنة (406) هـ، وهو مفخرة من مفاخر العترة الطاهرة، وإمام من أئمّة العلم والحديث والأدب والتفسير. نظم الشعر وبلغ ذروته الرفيعة وهو لم يبلغ من العمر عشر سنين، وتولّى نقابة الطالبيّين وإمارة الحجّ والنظر في المظالم سنة (380) هـ، ثمّ عُهِد إليه في سنة (403) هـ بولاية أمور الطالبيّين في جميع البلاد فدُعي (نقيب النقباء)، وأُتيحت له الخلافة على الحرمين على عهد الخليفة القادر إلى مناصب وولايات أخرى متكثّرة.
7-أوَّلها.
8- أي ممانعاته.
9- الثواقب المضيئة ومنه الشهاب الثاقب، ومن الكلم ما يضيء لسامعها طريق الوصول إلى ما دلّت عليه فيهتدي بها إليه.
10- الربقة، عروة الحبل يُجعل فيها رأس البهيمة.
11- راجع نهج البلاغة، شرح محمّد عبده،ص17، وشرح صبحي الصالح، ص33.
12- شريح بن الحارث، مخضرم، ولكنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم. استعمله عمر على القضاء في الكوفة، فلم يزل قاضياً ستين سنة إلّا ثلاث، وأقرّه الإمام عليه السلام على القضاء لأمور معيّنة واشترط عليه أن لا يُبرِم حكماً إلّا بعد عرضه عليه.
13- من خواص أصحاب الإمام عليه السلام دُفِن بظهر الكوفة (النجف) وقبره مزار مشهور.
14- نسبة إلى بني بكّال، ويظهر من بعض الروايات أنّه من خواص الإمام عليه السلام.
15- مولى أم هانئ بنت أبي طالب، كان من خواص الإمام عليه السلام. طلب إليه معاوية وصف أمير المؤمنين عليه السلام فوصفه بحيث بكى معاوية من كلامه.
16- مصادر نهج البلاغة وأسانيده، عبد الزهراء الخطيب، ج1، ص51.
17- الذريعة إلى تصانيف الشيعة، آقا بزرك الطهراني، ج 7، ص190.
18- مصادر نهج البلاغة وأسانيده، ج 1، ص60.
19- تكملة أمل الأمل، السيد حسن الصدر ص 462.
20- راجع: أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج 1، ص544.
21- راجع: الغدير، للعلّامة الأمينيّ، الجزء الرابع، والذريعة في بعض أجزائها، 12-14.



يتبع

الموضوع الأصلي : دراسات في نهج البلاغة / 12 درس  ـآلمصدر : شيعة الامام علي
اخـــــــــــر مواضيعــــــــي






رد مع اقتباس Share with Facebook
   
   
قديم 03-20-2019, 10:55 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عضو حسيني
عضو مميز

إحصائية العضو






 

الشيخ عباس محمد غير متصل حالياً

 


كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : نهج البلاغة
افتراضي

الدرس الثاني: التشكيك في نسبة نهج البلاغة


أهداف الدرس

1- أنْ يتأكّد الطالب من نسبة نهج البلاغة للإمام عليّ عليه السلام.
2- أنْ يجيب على شبهة الإضافات على نهج البلاغة.

25

التشكيك في نسبة النهج

لم يذكر الشريف الرضيّ في صدر كتابه المصادر الّتي رجِع إليها حين اختيار كلام الإمام عليّ عليه السلام أو الشيوخ الّذين نقل عنهم، إلّا أنّه - كما يبدو من تضاعيف الكتاب - نقل في بعض ما نقل عنه، عن كتاب البيان والتبيين للجاحظ، والمقتضب للمبرِّد، والمغازي لسعيد بن يحيى الأمويّ، والمقامات لأبي جعفر الإسكافيّ وغيرها من الكتب.

وهذا الأمر كان سبباً هامّاً في تشكيك بعضٍ في مدى صحّة ما نسبه الرضيّ إلى الإمام عليه السلام في نهج البلاغة من كلام.

فقال بعضهم إنّه كلّه من كلام جامعه لا من كلام مَن نُسِب إليه، وبعضهم أخطأ في اسم جامعه فنسبه إلى الشريف المرتضى (أخي الشريف الرضيّ)، وادّعى أنّه من وضعه لا من كلام الإمام عليّ عليه السلام، وبعضهم تنازل عن هذه الدعوى إلى ما هو أخفّ منها فقال إنّه قد دخل فيه ما ليس من كلام الإمام عليّ عليه السلام.

ولعلّ أوّل من بذر بذرة التشكيك في نسبة النهج إلى الإمام عليّ عليه السلام وفي جمعه هو ابن خلّكان صاحب كتاب (وفيّات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان) حيث قال في ترجمة سيرة وحياة السيّد المرتضى:

27

"وقد اختلف الناس في كتاب (نهج البلاغة) المجموع من كلام الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، هل جَمْعُهُ أم جَمْعُ أخيه الرضيّ؟ وقد قيل: إنّه ليس من كلام عليّ، وإنّما الّذي جمعه ونسبه إليه هو الّذي وضعه، والله أعلم"1.

ثمّ جاء من بعد ابن خلّكان من يتابعه على هذا الرأي الفاسد، فنسج على منواله شُبهاً وأوهاماً هي أوهى من بيت العنكبوت، ومن هؤلاء:

1- ابن تيميّة(توفي سنة 728هـ) في (منهاج السنّة) حيث يقول: "وهذه الخطب المنقولة في نهج البلاغة لو كانت عن عليّ ومن كلامه لكانت موجودة قبل هذا المصنّف (أي كتاب نهج البلاغة)، منقولة عن أعلى الأسانيد"2.

2- الذهبيّ (توفي سنة 748هـ) في (ميزان الاعتدال)، حيث يقول في ترجمة الشريف المرتضى: "عليّ بن الحسين الحسينيّ الشريف المرتضى.. وهو المتّهم بوضع كتاب نهج البلاغة. وله مشاركة قويّة في العلوم. ومن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنّه مكذوب على أمير المؤمنين عليه السلام، ففيه السَبُّ الصراح، والحطّ على السيّدين أبي بكر وعمر، وفيه التناقض والأشياء الركيكة والعبارات الّتي من له معرفة بنفَس القرشيّين الصحابة وبنفَس غيرهم ممّن بعدهم من المتأخّرين جزم بأنّ الكتاب أكثره باطل"3.

3- الصفديّ (توفي سنة 764هـ) في (الوافي بالوفيات).
4- اليافعيّ (توفي سنة 768هـ) في (مرآة الجنان).
5- ابن حجر (توفي سنة 852هـ) في (لسان الميزان).
6- جرجي زيدان (توفي سنة 1332هـ) في (آداب اللغة العربيّة).

28

7- محمّد كرد عليّ (توفي سنة 1372هـ- 1953م) في (الإسلام والحضارة العربية).

8- أحمد أمين (توفي سنة 1373هـ- 1954م) في (فجر الإسلام).

9- أحمد حسن الزيّات (توفي سنة 1968م) في (تاريخ الأدب العربيّ).

10- محمّد سيّد كيلانيّ (معاصر)في (أثر التشيّع في الأدب العربيّ).

ومن الّذين سلكوا هذا المسلك في عصرنا الحاضر الأستاذ محمّد أبو الفضل إبراهيم حيث قال في مقدّمة شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:

"وعلى مرِّ العصور والأزمان كانت نسبة ما في كتاب نهج البلاغة إلى الإمام عليّ عليه السلام مثاراً للشكّ عند العلماء والباحثين المتقدّمين والمتأخّرين"4.

الجواب عن التشكيك

أوّلاً فيما يتعلّق بجامع النهج:

جامع النهج هو الشريف الرضيّ، دون غيره مطلقاً، والدليل على ذلك:

أ- اتفاق محقّقي العلماء والمؤرّخين على أنّ نهج البلاغة من جمع الشريف الرضيّ وحده، لا من جمع غيره، بحيث إنّه انفرد وحده في القيام بهذا العمل ولم يشترك أحدٌ معه في ذلك. وعليه لا يضرُّ بذلك ما يقوله بعض الشُذَّاذ.

ب- إجازات تلاميذ الشريف الرضيّ وسلسلة تلاميذه من بعدهم خلفاً عن سلف بما يصل إلى حدّ التواتر. وهذه الإجازات تتضمّن نسبة هذا الكتاب إلى الشريف الرضيّ وحده.

ج- تصريحات الشريف الرضيّ نفسه في مواطن كثيرة بأنّ النهج من جمعه وحده شخصيّاً، مثل ما ورد في مقدّمة كتابه (خصائص الأئمّة) الّذي هو

29

من تأليفه بإجماع العلماء حيث يقول فيه:

"ابتدأت تأليف كتاب (خصائص الأئمّة) عليهم السلام... وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على المختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه، ومتشعّبات غصونه من خطب وكتب ومواعظ وأدب. ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة".

وعلى هذا الأساس وبعد تصريح الرضيّ نفسه بأنّه هو الجامع للنهج وأنّه من كلام الإمام عليّ عليه السلام، فنحن نسأل لماذا لم يدّعِ الرضيّ أنّ الكتاب من تأليفه؟ وما الداعي لأن يُخفي ذلك؟ ولماذا لم ينسب الكتاب إلى نفسه رغم أنّه لو ادّعى ذلك لاعتُبِر الرضيّ من الرجال الأفذاذ ولكان ذلك مفخرةً وزيناً له؟

ومن المفيد جدّاً أن نذكر هنا ما قاله الأمير شكيب أرسلان عندما سُِئل عن رأيه فيما ذكره أحد الجالسين في محضره من أنّ نهج البلاغة موضوع على لسان الإمام عليّ عليه السلام حيث قال:

إذا كان نهج البلاغة موضوعاً فمن هو واضعه؟ هل هو الشريف الرضيّ؟ فقالوا له: نعم.

فقال: إنّ الشريف الرّضي لو قُسِّم أربعين رجلاً ما استطاع أن يأتي بخطبةٍ واحدة قصيرة من خطب نهج البلاغة، أو جملةٍ من جمله، ونهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام دون شكٍّ أو ريب، ولكنّ الّذي أوجب الشكّ فيه اشتماله على القدح في الصّحابة الّذين هم مقدّسون في أنظار الناس5.

ثانياً: في ما يتعلّق بكون ما بين دفّتي (نهج البلاغة) من جمع الرضيّ، وهذا ما يُثبته:

30

أ - إنّ خطب أمير المؤمنين عليه السلام ومواعظه وكتبه وأوامره حظيت بعناية العلماء والأدباء والمتكلِّمين من قبل أن يولد الشريف الرضيّ، حيث اهتمّ كثير منهم بجمع الكثير منها حتّى تكوّن من ذلك مجاميع عديدة ذكر منها صاحب كتاب (مصادر نهج لابلاغة) ثمانية وعشرين كتاباً في الخطب والكتب والرسائل والكلمات والعظات، وكلّها لمؤلِّفين توفُّوا جميعاً قبل أن يولد الشريف الرضيّ بما لا يقلّ عن مائة عام6.

ب -إنّ بعضهم كان يحفظ كثيراً من كلام الإمام عليّ عليه السلام ويستعين به في إنتاجه الفنّي من أمثال: الحسن البصريّ، وعبد الحميد الكاتب، وابن نباتة، وابن المقفّع كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

ج - إنّ خطبه عليه السلام وحدها الّتي كانت متداولة بين الناس تجاوزت الأربعمائة خطبة كما ذكر اليعقوبيّ المتوفّى سنة 292 هـ في كتابه (مشاكلة الناس لزمانهم) حيث قال: "حفظ الناس عنه عليه السلام الخطب، فإنّه خطب بأربعمائة خطبة، حُفِظت عنه وهي الّتي تدور بين الناس ويستعملونها في خطبهم"7.

بالإضافة إلى ما ذكره المسعوديّ المتوفّى سنة (346) في (مروج الذهب) حيث قال: "والّذي حفظ الناس من خطبه، في سائر مقاماته أربعمائة ونيّف وثمانين خطبة يوردونها على البديهة، وتداول الناس ذلك عنه قولاً وعملاً"8.

هذا وقد تصدّى جماعة من علماء السنّة والشيعة لدحض هذه الشبهات والأقوال وتناولوها بالبحث والتدقيق، وممّن تعرّض للدفاع عن نسبة النهج إلى

31

الإمام عليّ عليه السلام وإبطال قضيّة التشكيك ابن أبي الحديد المعتزليّ في شرحه للنهج حيث يقول:

"كثير من أرباب الهوى يقولون: إنّ كثيراً من نهج البلاغة كلامٌ مُحدَثٌ صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربّما عزوا بعضه إلى الرضيّ أبي الحسن أو غيره، وهؤلاء أعمت العصبيّة أعينهم". وأجاب عن هذا الكلام فقال:
"لا يخلو إمّا أن يكون كلّ نهج البلاغة مصنوعاً منحولاً، أو بعضه.

والأوّل: باطل بالضرورة, لأنّا نعلم بالتواتر صحّة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام. وقد نقل المحدّثون - كلّهم أو جلّهم - والمؤرّخون كثيراً منه، وليسوا من الشيعة ليُنسبوا إلى غرض في ذلك.

والثاني: يدلّ عليّه ما قلناه، لأنّ من قد أنِس بالكلام والخطابة، وشَدَا طَرَفاً من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب, لا بُدَّ أن يُفرِّق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولّد. وإذا وقف على كرّاسٍ واحد يتضمّن كلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط، فلا بُدَّ أن يُفرِّق بين الكلامين، ويُميّز بين الطريقتين... فإنّنا نرى أنّهم حذفوا من شعر أبي نوّاس كثيراً لمّا ظهر لهم أنّه ليس من ألفاظه ولا من شِعره... وأنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته كلّه ماءً واحداً، ونفَساً واحداً، وأسلوباً واحد, كالجسم البسيط الّذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهيّة, وكالقرآن العزيز أوّله كوسطه، وأوسطه كآخره، وكلّ سورة منه، وكلّ آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفنّ والطريق والنظم لباقي الآيات والسور.

ولو كان بعض نهج البلاغة منحولاً، وبعضه صحيحاً، لم يكن ذلك

32

كذلك..." ثمّ قال: "إنّ فتح هذا الباب يؤدّي بنا إلى عدم الثقة بصحّة أيّ من كلام منقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"9.

ونحن لو حاولنا التأمّل بدقّة وبعين البصيرة والإنصاف لوجدنا أنّ الباعث لهؤلاء على إنكار نهج البلاغة كلّه أو بعضه إنّما هو اشتماله على ما يعدّونه قدحاً في الصّحابة المقدَّسين عن كلِّ قدحٍ كالّذي اشتملت عليه الخطبة الشقشقيّة وغيرها، واشتماله على ما يظهر منه التألّم ممّن تقدّمه في الخلافة وإظهار أنّه أحقّ بها منهم.

شبهة الإضافات في نهج البلاغة

من الشُبه الّتي حامت حول "نهج البلاغة" شبهة الزيادات فيه، فقد زعم بعضهم أنّ الشريف الرضيّ بعد فراغه من جمع نهج البلاغة ترك أوراقاً من البياض في آخر كلّ باب من أبوابه الثلاثة "لاقتناص الشارد واستلحاق الوارد"، فلم يبقَ "النهج" على ما وضعه الرضيّ بل تعرّض لإضافات وزيادات حتّى بلغ إلى هذا الحدّ من الضخامة.

وهذه الدعوى من الافتراءات الّتي تُشبه القول بأنّ نهج البلاغة من وضع الشريف الرضيّ، وهي مردودة لأمور:

1 - إنّ النسخة الّتي بخطّ الرضيّ كانت موجودة في زمن ابن أبي الحديد المتوفّى سنة (655 أو 666) هـ، والّذي ألّف شرح نهج البلاغة ما بين سنة (640) و (644)هـ. "فالنهج" إلى هذا الحدّ سالم من التغيير والإضافة، بل وإلى زمن كمال الدين ميثم بن عليّ بن ميثم البحرانيّ المتوفّى سنة (676)

هـ. لأنّه أشار إلى نسخة الرضيّ في مواضع من شرحه على نهج البلاغة.

33

2- إنّ العادة كانت جارية بأنّهم يروون "نهج البلاغة" خلفاً عن سلف، ولا يكتفي بعضهم بروايته من طريق واحد.

3 - هناك نسخ خطيّة من "نهج البلاغة" لا تزال موجودة تختلف تواريخها ولا تختلف محتوياتها. فمن أين تسرّبت هذه الزيادات؟ ولماذا لم يُعثر على نسخة واحدة خالية من هذه الإضافات المزعومة؟! ولماذا لم يقل بهذا أحدٌ من القدامى حتّى الّذين يذهبون إلى أنّ في (النهج) شيئاً "منحولا"ً؟

وكيف تواطأ ناسخو النهج وشرّاحه ورواته مع اختلاف أوطانهم وأزمانهم، بل واختلاف مذاهبهم ومشاربهم على الإضافة والتغيير؟

بقي شيء آخر لا بُدَّ من التنبيه عليه، وهو اختلاف ترتيب نسخ النهج بتقديم بعض الخطب والكلمات في نسخة وتأخيرها في نسخة أخرى، والسبب في ذلك أنّ بعض النسّاخ كتب الخطبة اللاحقة قبل السابقة سهواً ثُمّ تنبّه فكتب السابقة قبل اللاحقة من دون تنبيه فجاء من بعده فنقلها كما وجدها. وهذا لا يضرّ، ولا يُقلِّل من أهميّة الكتاب ولا يقدح في نسبته بعد الاتفاق على أنّ كلّ واحدة من نسخ (النهج) اشتملت على ما اشتملت عليه الأخرى، وقلّ أن يخلو كتاب من ذلك.

34

خلاصة الدرس

ـ شكّك بعض في نسبة نهج البلاغة ـ كلّاً أو بعضاً ـ إلى الإمام عليّ عليه السلام، من أمثال: ابن خلّكان، وابن تيميّة، والذهبيّ، وابن حجر، وأحمد أمين.
ـ ولكنّ مقام الرضيّ الرفيع ووثاقته يدفع ذلك، حيث صرّح هو أن نهج البلاغة ليس من تأليفه بل هو من كلام الإمام عليّ عليه السلام.
ـ ولقد انبرى كثيرٌ من علماء السنّة والشيعة لدحض هذا التشكيك، نذكر منهم: ابن أبي الحديد المعتزليّ.

أســــــئـلـــة

1- بماذا كان التشكيك في النهج، واذكر بعض المشكّكين؟
2 - كيف نردّ على هؤلاء المشكّكين؟
3 - ما هي شبهة الإضافات؟ وكيف كان الردّ عليها؟

35

هوامش

1- وفيّات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن خلّكان (ت، 681)، ج3/ص3، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
2- راجع الإسلام والحضارة العربية، محمّد كرد علي،ج 2، ص 61.
3- ميزان الاعتدال، الذهبي، ج3، ص124 دار المعرفة، بيروت.
4- شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد، مقدّمة أبو الفضل ابراهيم، ج 1، ص7.
5- أعيان الشيعة، السيّد الأمين، ج 1، ص54.
6- راجع مصادر نهج البلاغة الجزء الأوّل منه. وراجع ما تقدّم في الدرس الأوّل فقرة هل كان الرضيّ أوّل من جمع كلام الإمام عليّ عليه السلام.
7- نهج السعادة، المحمودي، ج1، هامش ص 12.
8- مروج الذهب، المسعودي، ج2، ص 431.
9- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج1، ص 128- 129.


يتبع

اخـــــــــــر مواضيعــــــــي






رد مع اقتباس Share with Facebook
   
   
قديم 03-20-2019, 10:56 PM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عضو حسيني
عضو مميز

إحصائية العضو






 

الشيخ عباس محمد غير متصل حالياً

 


كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : نهج البلاغة
افتراضي

الدرس الثالث: شبهات حول نهج البلاغة


أهداف الدرس

أنْ يتعرّف الطالب إلى بعض الشبهات حول نهج البلاغة.
أنْ يتمكّن من الإجابة على الشبهات إجمالاً.

37

تمهيد

تعرّضنا فيما تقدّم إلى السبب الأساس الّذي دفع ببعضهم إلى التشكيك في نسبة نهج البلاغة إلى الإمام عليّ عليه السلام، وهو عدم ذكر الرضيّ لأسانيد الخطب الّتي جمعها في كتابه، وقدّمنا جواباً عامّاً عن هذه القضيّة.
وقد ذكر السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة كلّ الإشكالات الواردة في هذا المضمون وأجاب عنها بشكلٍ تفصيليّ1.

ومن الّذين تعرّضوا أيضاً لهذه الشبهات والرّد عليها، السيّد الخطيب في كتابه "مصادر نهج البلاغة وأسانيده". وقد تولّى استخراج المصادر والأسانيد للنهج. ولعلّ هذا الأمر وحده كافٍ في ردِّ كلام هؤلاء المعترضين.
وفيما يلي نستعرض أهمّ الشبهات الّتي أُثيرت حول نهج البلاغة مع الإجابة عليها.

الشبهة الأولى: إنّ نهج البلاغة من اختلاق الشريف الرضيّ وليس من كلام الإمام عليّ عليه السلام.

الجواب: يتّضح من ما تقدّم في الدرس الثاني - ولا سيّما من الفقرة الّتي

39

تحدّثنا فيها عن كيفيّة جمع النهج -الجواب الكافي عن هذه الشبهة، حيث ذكرنا أسماء كبار العلماء والأدباء الّذين جمعوا كلمات الإمام قبل زمن الرضيّ، وكذلك كلام المسعوديّ الّذي قال بأنّ الناس حفظت عن الإمام عليّ عليه السلام أربعمائة خطبة ونيّف وثمانين خطبة، والمسعوديّ عاش قبل زمن الرضيّ.

هذا بالإضافة إلى تساؤلنا عن السبب الّذي يُمكن أن يدفع الرضيّ لأن ينسب لنفسه ما ليس له، وهو المعروف بورعه وتقواه، فضلاً عن السبب الّذي يدعو الرضيّ لأن يُضيِّع على نفسه عملاً بهذه الضخامة وينسبه إلى الإمام عليّ عليه السلام.

الشبهة الثانية: خلوّ نهج البلاغة من الأسانيد

كان الهمّ الأساس للشريف الرضيّ هو جمع محاسن الخطب والكتب والحِكَم ممّا قاله أمير المؤمنين عليه السلام. وهذا ما دفعه إلى عدم الاهتمام بذكر مصادر هذه الخطب والكلمات. وهذا الشيء دفع بعضهم إلى التشكيك في النهج من هذه الزاوية.

الجواب: يتبيّن لنا من خلال مطالعة نهج البلاغة أنّ الشريف الرضيّ اعتمد في جمعه لكلمات الإمام عليّ عليه السلام على كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ، و"المقتضب" للمبرّد، و"المغازي" لسعيد بن يحيى الأمويّ، و"الجُمَل" للواقديّ، و"المقامات" في مناقب أمير المؤمنين لأبي جعفر الإسكافيّ، و"تاريخ الطبريّ"، وحكاية أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، ورواية اليمانيّ عن أحمد بن قتيبة، وخبر ضرار بن حمزة، وغيرها من الكتب الّتي لم يصرّح عنها الشريف الرضيّ.

وممّا يدعم هذا الجواب أنّه يوجد الكثير من خطب الإمام عليّ عليه السلام في

40

بعض الكتب السابقة على عهد الشريف الرضيّ، ومنها:

1- الكافي: للكلينيّ المتوفّى سنة (328 هـ - 939م).
2- التوحيد: للصّدوق محمّد بن بابويه القمّي المتوفّى سنة (381 هـ - 991 م). وفيه عدد من خطب التوحيد. وذكر الصّدوق أيضاً بعض الخطب في كتبه: من لا يحضره الفقيه، والأمالي، والخصال، وعلل الشرائع، ومعاني الأخبار.
3- الإرشاد: للشيخ المفيد المتوفّى سنة (423 هـ - 1022م)
4- العقد الفريد: لأحمد بن عبد ربّه المتوفّى سنة (327 هـ- 938م).
5- تحف العقول: لابن شعبة الحرّانيّ (القرن الرابع الهجري).
6- تاريخ الأمم والملوك: لمحمّد بن جرير الطبريّ المتوفّى سنة (210 هـ - 825 م).
7- مروج الذهب: للمسعوديّ، المتوفّى سنة (346هـ - 957م).

والحاصل كما ذكرنا أنّ الشريف الرضيّ لم يكن الهدف الأساس عنده ذكر أسانيد هذه الخطب. ولعلّ السبب في ذلك كما يظهر من تصريح الكثيرين أنّ كلمات الإمام عليّ عليه السلام وخطبه كانت من المسلّمات والبديهيّات بحيث لم يحتج إلى إيراد أسانيدها.

الشبهة الثالثة: الاعتراض على كثرة الخطب وطولها، لأنّ هذه الكثرة وهذا التطويل مما يتعذّر حفظه وضبطه قبل عصر التدوين.

الجواب: تؤكِّد الشواهد التاريخيّة أنّ قوّة الحافظة في العصور السابقة كانت عند الناس بالشكل الّذي يسمح باستيعاب هذا العدد من الخطب، والشاهد على

41

هذا القول هو ما ذكره المسعوديّ حيث قال:

"والّذي حفظ الناس عنه (أي الإمام عليّ عليه السلام) في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيّف وثمانين خطبة"2.

وهكذا لو قارنّا حفظ نهج البلاغة مع حفظ المعلّقات السبع من قبل الكثيرين الّتي تعتبر أطول من كثير من الخطب.

وممّا يدلّ على أنّ ملكة الحفظ كانت موجودة بشكل قويّ، وجود علل من الحفّاط منهم ابن عبّاس الملقّب بحبر الأمّة، الّذي حفظ جلّ أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

الشبهة الرابعة: وجود بعض الخطب والأقوال منسوبة لغير الإمام عليّ عليه السلام، وهي في نفس الوقت منسوبة له عليه السلام في مكان آخر.

الجواب: إنّه قد ثبت للعلماء والباحثين وجود سرقة لأكثر الخطب المنسوبة للإمام عليّ عليه السلام، وإلصاقها بمن هم أبعد ما يكونون عن بلاغة الإمام وفصاحته.

وقد رصد السيّد الشهرستانيّ في كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ المتوفّى سنة (255 هـ - 868 م) فقداً لخطبة يُقال إنّها لمعاوية وقد قالها عندما حضرته المنيّة. يقول الجاحظ: "منها أنّ هذا الكلام لا يُشبه السبب الّذي من أجله دعاهم معاوية، ومنها أنّ هذا المذهب في تصنيف الناس وفي الإخبار عنهم وعمّا هم عليه من القهر والإذلال ومن التقيّة والخوف أشبه بكلام عليّ وبمعانيه بحاله منه حال معاوية... والله أعلم بأصحاب الأخبار وبكثير منه"3.

وفي هذا الكلام تشكيك بنسبة الخطبة إلى معاوية مع الخوف من المجاهرة

42

بذلك.

ولا يُستبعد أنّ الّذين جاؤوا من بعد الإمام عليه السلام نحلوا من خطبه أو اقتفوا أثره في خطبه وأفرغوها بألسنتهم. وفي شرحه للنهج يقول ابن أبي الحديد عند مقارنته لكلام ابن نباتة بخطبة الجهاد للإمام عليّ عليه السلام.

"واعلم أنّ التحريض على الجهاد والحضّ عليه قد قال فيه الناس فأكثروا وكلّهم أخذوا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام فانظر إليها (خطبة ابن نباتة) وإلى خطبته عليه السلام بعين الإنصاف تجدها بالنسبة إليه كمخنّث بالنسبة إلى الفحل أو كسيف من رصاص بالإضافة إلى سيف من حديد... ومع هذا فهي مسروقة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام"4.

أمّا عن تغلغل كلام الإمام عليّ عليه السلام في شِعر المتنبّي المتوفّى سنة (354 هـ - 965 م)، أي قبل ولادة جامع نهج البلاغة الشريف الرضيّ بخمس سنوات، فالشواهد كثيرة، وقد جمعها السيّد عبد الزهراء الخطيب في كتابه "مائة شاهد وشاهد من معاني كلام الإمام عليّ عليه السلام في شعر أبي الطيّب المتنبّي"؛ وحسبنا منها على سبيل المثال لا الحصر ما قاله المتنبّي:

لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم يسعد الحال

"إذا قصرت يدك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر"5.

الشبهة الخامسة: وجود بعض العبارات في نهج البلاغة تتعرّض بالذمّ للصّحابة، وهذا غير ما كانت عليه سيرة الإمام عليه السلام وأقواله. ولعلّ الإشكال الأساس في هذا الموضوع هو على الخطبة الشقشقيّة.

43


الجواب: أورد السيّد الشهرستانيّ "الخطبة الشقشقيّة" من أكثر من مصدر: من نهج البلاغة، ومن الشيخ المفيد في الإرشاد، ومن البرقيّ في علل الشرائع، ومن الجلوديّ ومن كتاب معاني الأخبار.

وذكر الشهرستانيّ الناقلين للخطبة الشقشقيّة قبل الشريف الرضيّ، ومنهم أبو عليّ الجبائيّ المتوفّى سنة (303 هـ - 915 م)، وكذلك ابن عبد ربّه المتوفّى سنة (327 هـ - 938 م) في العقد الفريد.

وينقل البحرانيّ عن الشيخ أبي محمّد بن الخشّاب، قوله: "لا والله. ومن أين للرضيّ هذا الكلام ولا ينتظم في سلكه؟ على أنّه قد رأيت هذه الخطبة بخطوط العلماء الموثوق بنقلهم ومن قبل أن يُخلق الرضيّ فضلاً عنه، وأقول (يعني الشيّخ الخشّاب): وقد وجدتها في موضوعين تاريخهما قبل مولد الرضيّ بمدّة أحدهما أنّها متضمّنة في كتاب الإنصاف لأبي جعفر بن قبة تلميذ أبي القاسم الكعبيّ أحد شيوخ المتعزلة وكانت وفاته قبل مولد الرضيّ، الثاني أنّي وجدتها بنسخة عليها خطّ الوزير أبي الحسن عليّ بن محمّد بن الفرات، وكان وزير المقتدر بالله وذلك قبل مولد الرضيّ بنيّف وستّين سنة. والّذي يغلب على ظنّي أنّ تلك النسخة كانت قبل وجود ابن الفرات بمدّة. وهذا ما يؤكد صحّة إسناد الشقشقيّة إلى الإمام علي ّعليه السلام"6.

هذا مع العلم أنّ التمعّن الدقيق في الخطبة الشقشقيّة يُبيّن لنا بوضوح أنّها لا تخرج عن طور الشكاية الخفيّة والتظلّم بزفرات وحسرات وتنهّدات بدليل قوله عليه السلام لابن عمّه ابن عبّاس:

"هيهات يا ابن عبّاس تلك شقشقة هدرت ثُمَّ قرّت"7.

44

فالخطبة الشقشقيّة نوع من الشكاية والتظلّم، ونوع من النقد المهذّب واستذكار لوقائع حدثت مع الإمام الّذي وإنّ أبرز هذه المظالم لكنّه أبرزها بشكلٍ لم يخرج فيه عن الإطار الأدبيّ للكلام، خصوصاً مع ملاحظة كلمات الصحابة الآخرين ونقدهم العلنيّ بعضهم لبعض، وعلى سبيل المثال نستعرض:

1 - اتهام عمر لخالد بن الوليد بالزنى، والطلب من أبي بكر معاقبته لقتله مالك بن نويرة والاختلاء بأرملته ليلة قتله، وكان جواب أبي بكر: "هيه يا عمر تأوّل فأخطأ"8.

2 - قول عمر: "بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرّها"9.

3 - تسمية عائشة لعثمان: "نعثلاً"، والنعثل: الكثير شعر اللحية والجسد، وفتواها: "أقتلوا نعثلاً فقد كفر"10.

فالمُلاحظ أنّ الإمام عليّاً عليه السلام لم يصل في شكواه ونقده للصّحابة إلى هذا الحدّ.

وأخيراً... فإنّنا تعرّضنا لذكر بعض الشبهات الّتي أُثيرت حول صحّة نهج البلاغة من باب المثال فقط، وليكون القارئ الكريم على اطّلاع ولو إجماليّاً على كيفيّة الاعتراض على "النهج"، ليرى بنفسه مدى هشاشة هذه الاعتراضات، وعدم وصولها إلى المستوى العالي من التحدّي.

وبذلك يبقى "النهج" شعاعاً مضيئاً في سماء الأمّة يُنير لها الطريق كما كان صاحبه وما زال نبراساً وعلَماً هادياً لكلّ الأجيال عبر العصور.

45

ـ لقد أثيرت شبهات عديدة حول نسبة نهج البلاغة إلى الإمام عليّ عليه السلام، والسبب الأساس في التشكيك هو عدم ذكر الرضيّ للأسانيد.

ـ ذكر السيّد محسن الأمين الشبهات وردّها في كتابه أعيان الشيعة، وانبرى السيّد الخطيب في كتابه: "مصادر نهج البلاغة وأسانيده" لاستخراج مصادر وأسانيد النهج، وهذا الأمر كافٍ في ردّ المشكّكين.

ـ فعليه ليس نهج البلاغة من اختلاق الرضيّ، بل هو مسندٌ، وطول خطبه لا يمنع من حفظها، ووجود خطب منسوبة لغير الإمام عليه السلام وهي منسوبة للإمام في نفس الوقت؛ يُردّ بأنّ العلماء أثبتوا وجود سرقة لأكثر الخطب المنسوبة للإمام عليه السلام، ووجود خطب تحكي عن ظلامة الإمام عليه السلام من قبل بعض الصّحابة كالخطبة الشقشقيّة لا يمنع من نسبتها إليه عليه السلام مع كونها في حدود النقد البنّاء والأخلاق.

- أســــــئـلـــة

1 - أذكر شبهة واحدة حول نهج البلاغة، وبيِّن كيفيّة الردّ عليها.

2 - ما قصّة الخطبة الشقشقيّة، وما سبب الاعتراض عليها، وكيف ردّ العلماء على المنتقدين؟

3 - عدّد بعض الكتب السابقة على نهج البلاغة والّتي ورد فيها أقوال للإمام عليه السلام؟

35

هوامش

1- أعيان الشيعة، السيّد الأمين، ج1، ص540 - 543.
2- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج1، المقدّمة.
ا3- لبيان والتبيان, ج2, ص 59-61.
4- شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج2، ص84.
5- نقلاً عن كتاب مع المرأة في نهج البلاغة، فتحيّة عطوي، ص 48.
6- راجع: كتاب الأربعين، الشيخ الماحوزي، ص 271.
7- نهج البلاغة، ج1، ص 38.
8- تاريخ الطبري، ج2، ص 503.
9- سيرة ابن هشام، ج4، ص 1073.
ا10- الإمامة والسياسة، ابن قتيبة، تحقيق الزيني، ج1، ص 52.

يتبع

اخـــــــــــر مواضيعــــــــي






رد مع اقتباس Share with Facebook
   
   
قديم 03-20-2019, 10:57 PM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عضو حسيني
عضو مميز

إحصائية العضو






 

الشيخ عباس محمد غير متصل حالياً

 


كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : نهج البلاغة
افتراضي

الدرس الرابع: شخصية أمير المؤمنين في نهج البلاغة


أهداف الدرس

1- أنْ يتعرّف الطالب إلى شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة.
2- أنْ يتبيّن عصمة الإمام عليه السلام في نهج البلاغة.
3- أنْ يتعرّف إلى بعض صفات الإمام عليّ عليه السلام في نهج البلاغة.

47

تمهيد

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام: "أمّا فضائله عليه السلام، فإنّها قد بلغت من العظم والجلالة والانتشار والاشتهار مبلغاً يسمج معه التعرُّض لذكرها، والتصدّي لتفصيلها... وما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يُمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنّه استولى بنو أميّة على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكلّ حيلة في إطفاء نوره، والتحريض عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعّدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمّن له فضيلة، أو يرفع له ذكراً، حتّى حظروا أن يُسمّى أحدٌ باسمه، فما زاده ذلك إلّا رفعةً وسموّاً، وكان كالمسك كلّما سُتر انتشر عُرفه، وكلّما كُتم تضوّع نشره، وكالشمس لا تُستر بالراح، وكضوء النهار إن حُجبت عنه عين واحدة، أدركته عيون كثيرة!"1.

سنحاول في هذا الدرس التعرّف على بعض الصفات الّتي تحلّى بها أمير المؤمنين عليه السلام، عسى أن نبلغ بعضاً من هذه الصفات والمزايا، وهو الّذي لا يرقى إليه الطير ولا يبلغه السيل.

49

إيمان الإمام عليّ عليه السلام بالله ورسوله

كان أمير المؤمنين أوّل الناس إيماناً بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يحذو حذو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كلّ أفعاله وخُطاه، وأنّه عليه السلام لم يُشرك بالله لحظة واحدة، ولم يسجد لصنم قطّ، ولذلك نجد أتباع مدرسة الخلفاء كلّما ذكروا اسمه عليه السلام أتبعوه بلفظ "كرّم الله وجهه" إشارة إلى هذه الكرامة، ومرادهم عدم سجوده لصنم أو عبادة غير الله تعالى.

يقول ابن أبي الحديد: "وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى، وآمن بالله وعبده، وكلّ من في الأرض يعبد الحجر، ويجحد الخالق، لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلّا السابق إلى كلّ خير، محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وذهب أكثر أهل الحديث إلى أنّه عليه السلام أوّل الناس اتّباعا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإيماناً به، ولم يُخالف في ذلك إلّا الأقلّون". وقد قال هو عليه السلام: "أنا الصدّيق الأكبر، وأنا الفاروق الأوّل، أسلمت قبل إسلام الناس، وصلّيت قبل صلاتهم"2.

وقال عليه السلام أيضا: "وإنّي لعلى يقين من ربّي، وغير شبهة من ديني"3 .

وكيف لا يكون عليه السلام كما قال، وهو ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتلميذه الأوّل ووصيّه الأوحد، وقد قال عليه السلام في خطبته القاصعة 4 عن ملازمته للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ علماً وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ"5.

50

أمّا إسلام أمير المؤمنين عليه السلام فيكفي فيه قول الرسول الأمين صلى الله عليه وآله وسلم: "أنت أوّل الناس إسلاماً وأوّل الناس إيماناً وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى"6 ، كما مدحته الصحابة بذلك، وهم أبصر من غيرهم يوم كانوا يغترفون من مستقى العلم ومنبع الدِّين، وعلى هذا الأساس تضافر الثناء عليه من العلماء والمؤلّفين والشعراء وسائر طبقات الأمّة بأنّه أوّل من أسلم، إلّا أنّ بعض الناس حاول نسبة فضيلة السبق في الإسلام إلى غيره, بادّعاء أنّه كان أوّل من أسلم من الصبيان، وبالتّالي لم يكن مكلّفاً ولم يكن واعياً ومدرِكاً لأهميّة الإسلام وحقيقة التديّن. وما حصل منه ليس سوى انجرار عاطفيّ خلف ابن عمّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

غير أنّ الكثير من الروايات وأقوال العلماء فيه عليه السلام تؤكّد أنّه كان أوّل الناس إسلاماً، ولكن لو تنازلنا عن جميع ذلك، فمن قال إنّ الوعي والإدراك لا يكون في الصبيّ غير البالغ شرعاً، ثمّ إنّنا لا نحتاج في صحّة الإسلام إلى البلوغ بل يكفينا التمييز ويقبل إسلام المميّز، وهذا مسلَّم به للإمام عليّ عليه السلام، فكم من صبيّ غير بالغ شرعاً هو في مستوى عالٍ من الفهم والإدراك، ثُمَّ من أين علمنا أنّ اشتراط البلوغ في التكليف كان مشروعاً في أوّل البعثة؟ فلعلّه كبقيّة الأحكام التدريجيّة نزل الوحي به فيما بعد، ولقد حُكي عن بعض أعلام مدرسة الصحابة أنّ اشتراط الأحكام بالبلوغ نزل الوحي به بعد معركة أُحد، ففي السيرة الحلبيّة، باب أنّه أوّل الناس إيماناً: كان الصبيان مكلّفون وإنّما رفع القلم عن الصبيّ عام خيبر، وعن البيهقيّ أنّ الأحكام إنّما تعلّقت بالبلوغ في عام الخندق أو الحُديبيّة، وكانت قبل ذلك منوطة بالتمييز7.

عصمة الإمام عليّ عليه السلام

من المسائل الأساس في العقائد الإماميّة عصمة الإمام ونزاهته عن الخطأ

51

والنسيان والسهو والذنب، بحيث إنّ أفعاله وسكناته وإشاراته وتنبيهاته لا تحيد عن رضى الله سبحانه، والدليل على ذلك عقليّ ونقليّ، فالعقل الّذي يحكم بنزاهة النبيّ يحكم أيضاً ولنفس العلّة والسبب بنزاهة وعصمة الإمام عن كلّ قبيح وذلك لغرض هداية الناس، فكيف يهدي من لا يمتلك الهداية ولا يتّصف بها.

يقول تعالى:﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾8.

وفي علّة العصمة نقل عن ابن أبي عمير قوله: "ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم 9في طول صحبتي له شيئاً أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام فإنّي سألته يوماً عن الإمام أهو معصوم؟ فقال نعم، قلت له فما صفة العصمة فيه وبأيّ شيء تُعرف؟

فقال إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه ولا خامس لها: الحرص والحسد والغضب والشهوة فهذه منفيّة عنه.

لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه لأنّه خازن المسلمين فعلى ماذا يحرص؟!

ولا يجوز أن يكون حسوداً لأنّ الإنسان إنّما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد فكيف يحسد من هو دونه؟!

ولا يجوز أن يغضب لشيء من أمور الدنيا إلّا أن يكون غضبه لله عزّ وجلّ فإنّ الله فرض عليه إقامة الحدود وأن لا تأخذه في الله لومة لايم، ولا رأفة في دينه حتّى يُقيم حدود الله.

52

ولا يجوز له أن يتّبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة لأنّ الله عزّ وجلّ قد حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا. فهل رأيت أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح، وطعاماً طيّباً لطعام مرّ، وثوباً ليّناً لثوب خشن، ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟"10.

وأمير المؤمنين والأئمّة عليهم السلام نبراس هداية وحجّة لله عزّ وجلّ على الناس، عارفون بالله وبكتابه ومبلّغون لشرائعه، يقول أمير المؤمنين عليه السلام:"واعذروا من لا حجّة لكم عليه. وأنا هو. ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر ( أي القرآن ) وأترك فيكم الثقل الأصغر(أي الحسن والحسين عليهما السلام). وركزت فيكم راية الإيمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام"11.

وعنه صلوات الله عليه قال: "إنّ الله تبارك وتعالى طهّرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه، وحجّته في أرضه، و جعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا، لا نُفارقه ولا يُفارقنا"12.

علم الإمام عليه السلام وقضاؤه وحسن رأيه

من أبرز العلوم، علم الفقه، والإمام عليه السلام أصله وأساسه، وكلّ من أراد الفقه في الإسلام رجع إليه، واستفاد من فقهه، وقد عُرف رجوع عمر بن الخطّاب إليه في كثير من المسائل الّتي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة، وقوله غير مرّة: "لولا عليّ لهلك عمر"، وقوله: "لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن". وقوله: "لا يُفتينّ أحد في المسجد وعليّ حاضر". وقد روت العامّة والخاصّة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أقضاكم عليّ"، والقضاء هو الفقه، فهو إذاً أفقههم13 .

53

وقد عُرف في الإمام أجوبته المسكتة وردوده السريعة، من قبيل سؤال بعضهم له عليه السلام عن المسافة ما بين المشرق والمغرب فقال عليه السلام: "مسيرة يوم للشمس"14.

وقيل له عليه السلام لو سدّ على رجل باب بيته وترك فيه من أين كان يأتيه رزقه؟ فقال عليه السلام: "من حيث يأتيه أجله"15.

وسُئل عليه السلام: كم بين السماء والأرض؟ فقال: "دعوة مستجابة"16.

والنماذج على ذلك كثيرة، وهذا ليس غريباً على أمير الكلام عليه السلام وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب"17 ، وشبيه هذا الحديث عن لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثير.

وقد نقل عنه عليه السلام قوله:"وليس كلّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان يسأله ويستفهمه حتّى أنّهم كانوا ليحبّون أن يجيئ الأعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتّى يسمعوا. وكان لا يمرّ بي من ذلك شيء إلّا سألته عنه وحفظته"18.

وقد أخبر أكثر من مرّة عن بعض المغيّبات والأحداث المستقبليّة والفتن الّتي ستكون بعده وخاصّة فتنة بني أميّة، فقال عليه السلام فيها:"حتّى يظنّ الظانّ أنّ الدنيا معقولة على بني أميّة تمنحهم درّها. وتوردهم صفوها. ولا يرفع عن هذه الأمّة سوطها ولا سيفها. وكذب الظانّ لذلك، بل هي مجّة من لذيذ العيش يتطعّمونها برهة ثُمَّ يلفظونها جملة"19 وكأنّه يُنبئ بزوال الدولة الأمويّة سريعاً.

وقال عليه السلام مخاطباً أهل البصرة:"كأنّي بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد

54

بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها وغرق من في ضمنها"20.

وقد قال له بعض أصحابه: لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين عليه السلام علم الغيب، فضحك عليه السلام، وقال: "ليس هو بعلم غيب، وإنّما هو تعلّم من ذي علم. وإنّما علم الغيب علم الساعة وما عدّد الله سبحانه بقوله ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾21، فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى، وقبيح أو جميل، وسخيّ أو بخيل، وشقيّ أو سعيد، ومن يكون في النار حطباً، أو في الجنان للنبيّين مرافقاً. فهذا علم الغيب الّذي لا يعلمه أحد إلّا الله، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيّه فعلّمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري، وتضطمّ22 عليه جوانحي"23.

وقد ثبت أنّه عليه السلام قال: "فاسألوني قبل أن تفقدوني. فوالّذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة إلّا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها ومحطّ رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلاً، ويموت منهم موتاً. ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الأمور وحوازب الخطوب24 لأطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين. وذلك إذا قلصت25 حربكم وشمّرت عن ساق، وضاقت الدنيا عليكم ضيقاً تستطيلون معه أيّام البلاء عليكم حتّى يفتح الله لبقيّة الأبرار منكم"26.

ومن يُراجع سِيَر التاريخ يجد أنّ ما من أحد حاول مشابهته في هذه المقولة إلّا فضحه الله".

55

يقول ابن أبي الحديد: "واعلم أنّه عليه السلام قد أقسم في هذا الفصل بالله الّذي نفسه بيده، أنّهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم وبين القيامة إلّا أخبرهم به، وأنّه ما صحّ من طائفة من الناس يهتدى بها مائة وتضلّ بها مائة، إلّا وهو مخبر لهم - إن سألوه - برعاتها، وقائدها وسائقها ومواضع نزول ركابها وخيولها، ومن يُقتل منها قتلاً، ومن يموت منها موتاً، وهذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادعاء الربوبيّة، ولا ادعاء النبوّة، ولكنّه كان يقول: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبره بذلك، ولقد امتحنّا إخباره فوجدناه موافقاً، فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة، كإخباره عن الضربة الّتي يُضرب بها في رأسه فتُخضب لحيته، وإخباره عن قتل الحسين ابنه عليهما السلام، وما قاله في كربلاء حيث مرّ بها، وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده، وإخباره عن الحجّاج، وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان، وما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم، وصلب من يصلب، وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وإخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمّا شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها...."27.

عبادته عليه السلام

يقول ابن أبي الحديد: "وأمّا العبادة، فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل، وملازمة الأوراد وقيام النافلة، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع(بساط) بين الصفّين ليلة الهرير، فيُصلّي عليه ورده، والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صماخيه(أذنيه) يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته! وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده. وأنت إذا


56


تأمّلت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله، وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته، والخشوع لعزّته، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص، وفهمت من أيّ قلب خَرَجَتْ، وعلى أيّ لسان جَرَتْ!"28.

الإمام عليه السلام صوت العدالة الإنسانيّة

كانت إقامة العدالة شعار الإمام ونهجه وخطّه الثابت الّذي ما حاد عنه وما ابتغى غيره وهو القائل:

"الذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحقّ له. والقويّ عندي ضعيف حتّى آخذ الحقّ منه"29.

وروي أنّه وقبل شهادته كان يوصي بقاتله ويوصي بالأمّة ويأمر بالعدل وعدم التشفّي، حيث يقول عليه السلام: "يا بني عبد المطّلب لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون قُتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلنّ بي إلّا قاتلي. انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يُمثّل بالرجل فإنّّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور"30.

جهاد الإمام عليه السلام وشجاعته

يقول ابن أبي الحديد: "وأمّا الشجاعة: فإنّه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله، ومحا اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة تُضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة، وهو الشجاع الّذي ما فرّ قطّ، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحداً إلّا قتله، ولا ضرب ضربة قطّ فاحتاجت الأولى إلى ثانية، وفي الحديث "كانت ضرباته وتراً"، ولمّا دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح

57


الناس من الحرب بقتل أحدهما، قال له عمرو بن العاص: لقد أنصفك، فقال معاوية: ما غششتني منذ نصحتني إلّا اليوم! أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق! أراك طمعت في إمارة الشام بعدي!31

وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، فأمّا قتلاه فافتخار رهطهم بأنّه عليه السلام قتلَهم أظهر وأكثر، قالت أخت عمرو بن عبد ودّ ترثيه:


لو كان قاتل عمرو غير قاتله بكيته أبداً ما دمت في الأبد
لكنّ قاتله من لا نظير له وكان يُدعى أبوه بيضة البلد 32

(أي ليس مثله في الشرف)

وأمّا جهاده فهو سيّد المجاهدين ويكفيه شرفاً قول جبرائيل عليه السلام بين السماء والأرض لمّا ثبت عليه السلام بين يدَي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أُحد:

لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي

وفي كلام له عليه السلام في حبّ الشهادة: "إنّ أكرم الموت القتل. والّذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من ميتة على الفراش"33.

تواضع الإمام عليه السلام وزهده

يقول عليه السلام في رسالته لعامله على البصرة: "أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً

58

يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ. أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ، أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ، فَوَاللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً "34 ,35

وقد ثبت من زهده أنّه لم يحفل بالدنيا ولا الرياسة فيها حيث عكف على تغسيل رسول الله وتجهيزه والقوم مشغولون في سقيفة بني ساعدة. وقد شهد النبي ّصلى الله عليه وآله وسلم بزهده ففي حديث عمّار: "يا عليّ، إنّ الله قد زيّنك بزينة لم يُزيّن العباد بزينة أحبّ إلى الله منها، زيّنك بالزهد في الدنيا، وجعلك لا ترزأ منها شيئاً، ولا ترزأ36 منك شيئاً، ووهب لك حبّ المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعاً، ويرضون بك إماماً، فطوبى لمن أحبّك وصدّق فيك"37.

وروي عن الإمام عليّ عليه السلام حين مدحه قوم في وجهه: "اللّهمّ إنّك أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللّهمّ اجعلنا خيراً ممّا يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون"38.

محبّة الإمام عليّ عليه السلام

دلّت الأخبار الشريفة على أنّ محبّة عليّ عليه السلام جزء من الإيمان وأنّه لا يُحبّه إلّا مؤمن ولا يُبغضه إلّا منافق، ويقول أيضاً عليه السلام:"لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يُبغضني ما أبغضني. ولو صببت الدنيا بجمانها على المنافق على أن يُحبّني ما أحبّني. وذلك أنّه قضى فانقضى على لسان

59

النبيّ الأمي ّصلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "يا عليّ لا يُبغضك مؤمن ولا يُحبّك منافق"39.

وكان في علم الإمام عليه السلام أنّ بعض الناس سوف يُحبّونه حبّاً زائداً حتّى يعبدوه، بينما بعضهم الآخر سيُبغضونه حتّى يسبّوه، فأمر عليه السلام شيعته أن يسلكوا الطريق الوسط في محبّته حتّى لا يهلكوا.

يقول عليه السلام: "وسيهلك فيَّ صنفان: محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحقّ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحقّ، وخير الناس فيَّ حالاً النمط الأوسط، فالزموه"40.

خلاصة الدرس

إنّ صفات وفضائل ومزايا أمير المؤمنين عليه السلام لا يُمكن الإحاطة بها وهو من لا يرقى إليه الطير ولا يبلغه السيل.

فهو أوّل الناس إسلاما وأكثرهم إيمانا وعلماً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

إنّ العقل الّذي يحكم بنزاهة النبيّ وعصمته يحكم أيضاً ولنفس العلّة والسبب بنزاهة وعصمة الإمام عن كلّ قبيح وذلك لغرض هداية الناس، فكيف يهدي من لا يمتلك الهداية ولا يتّصف بها.

عُرف الإمام علي ّعليه السلام بعلمه وحسن رأيه وقضائه فهو باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو العابد الزاهد المجاهد الشجاع الّذي لا يخاف في الله لومة لائم، وبدون محبّته لا يكتمل الإيمان، وهو الّذي لا يُبغضه مؤمن ولا يحبّه منافق.

60

أســــــئـلـــة

1- كيف تصوِّر عصمة الإمام عليّ عليه السلام؟

2- تحدّث عن علم الإمام عليّ عليه السلام؟

3- اذكر وصفاً لعبادة الإمام عليّ عليه السلام؟

4- كيف تصوِّر جهاد الإمام عليّ عليه السلام وشجاعته؟

61

هوامش

1- شرح نهج البلاغة, ابن أبي الحديد, ج 1, ص 16، 17.
2- شرح نهج البلاغة, ابن أبي الحديد, ج 1, ص 30.
3- نهج البلاغة, خطب الإمام علي عليه السلام, ج 1, ص 60.
4- من قصع فلان فلاناً: أي حقّره لأنه عليه السلام حقّر فيها حال المتكبّرين، أو من قصع الماء عطشه إذا أزاله، لأنّ سامعها لو كان متكبّرا ذهب تأثيرها بكبره كما يذهب الماء بالعطش.
5- نهج البلاغة, ج 2, ص 157.
6- كنز العمال، المتّقي الهنديّ، ج13، ص124، وكذا ذكر ابن الأثير في أسد الغابة أنّ عليّاً عليه السلام أوّل الناس إسلاماً، ج4، ص 16.
7- السيرة الحلبيّة، ج1، ص 434.
8- سورة يونس، الآية: 35.
9- هشام بن الحكم من خواص الإمامين الصادق والكاظم عليهم السلام، وقد عدّه المفيد رحمه الله, في رسالته العدديّة، من الأعلام الرؤساء، المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفُتيا والأحكام، الذين لا مطعن عليهم، ولا طريق إلى ذمّ واحد منهم.
10- علل الشرائع، الصدوق، ج4، ص 204.
11- نهج البلاغة, ج 1, ص 154.
12- الكافي, الشيخ الكليني, ج 1, ص 191.
13- راجع شرح نهج البلاغة, ابن أبي الحديد, ج 1, ص 18.
14- نهج البلاغة, ج 4, ص 71.
15- م. ن, ج 4, ص 83.
16- بحار الأنوار, العلامة المجلسي, ج 10, ص 84.
17- الفصول المختارة، السيد المرتضى، ص 220.
18- شرح نهج البلاغة, ابن أبي الحديد, ج 11, ص 39.
19- نهج البلاغة, ج 1, ص 155.
20- نهج البلاغة, ج 1, ص 45.
21- سورة السجدة، الآية: 34.
22- تضطمّ: أي تنضم عليه جوانحي.
23- نهج البلاغة, ج 2, ص 10, 11.
24- الخطب: الأمر الشديد.
25- تمادت.
26- م. ن, ج 1, ص 182, 183.
27- راجع: شرح نهج البلاغة, ابن أبي الحديد, ج 7, ص 48.
28- م. س، شرح نهج البلاغة, ج 1, ص 27.
29- م. ن, ج 1, ص 89.
30- نهج البلاغة, ج 3, ص 77- 78.
31- راجع: شرح نهج البلاغة, ابن أبي الحديد, ج 1, ص 20, 21.
32- راجع: تاريخ الطبري، ج2، ص 197.
33- نهج البلاغة, ج 2, ص 2.
34- الطمر: الثوب القديم.
35- نهج البلاغة, ج 3, ص 70 - 71.
36- أي لا تأخذ ولا تنال.
37- الأمالي، الطوسي، ص 181.
38- نهج البلاغة, ج 4, ص 22.
39- م. س، النهج, ج 4, ص 13.
40- م. ن, ج 2, ص 8.


يتبع

اخـــــــــــر مواضيعــــــــي






رد مع اقتباس Share with Facebook
   
   
قديم 03-20-2019, 10:58 PM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عضو حسيني
عضو مميز

إحصائية العضو






 

الشيخ عباس محمد غير متصل حالياً

 


كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : نهج البلاغة
افتراضي

الدرس الخامس: منهج الإصلاح والعدالة في نهج البلاغة


أهداف الدرس

1- أنْ يتعرّف الطالب إلى وجود الانحراف عن العدالة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
2- أنْ يعدِّد عوامل الانحراف في جسم الأمّة الإسلاميّة.
3- أنْ يتعرّف إلى منهج الإمام عليّ عليه السلام في إصلاح الانحراف وتطبيق العدالة.

63

العدل في الإسلام

من المبادئ الإنسانيّة الّتي قام عليها الإسلام من خلال رسالته وتعاليمه هي تحقيق العدل بين الناس، والقضاء على الظلم والجور، لهذا نجد أنّ جميع نواحي التشريع الإسلاميّ قد ارتبطت بشكلٍ مباشر بالعدالة والمساواة.

وإنّ أرقى مهمّة حمل لواءها ورفع شعارها الأنبياء والمرسلون عليهم السلامهي العمل على تربية المجتمعات البشريّة، وإنقاذ الناس من الجهل والظلم، والعمل على إصلاح النوع الإنسانيّ، وإلغاء الامتيازات، فكان العمل لأجل تحقيق العدالة الاجتماعيّة أعظم هدفٍ من أهداف بعثة الأنبياءعليهم السلام، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾1.

وهذا ما سعى من أجله النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم الّذي أرسى قواعد العدالة، وشيَّد أركان المساواة بين جميع الخلق، وجعل المبدأ أنّه لا ميزة ولا فضل لأحدٍ على أحدٍ إلّا بالتقوى، وقدّم للبشريّة أرفع التعاليم والآداب على مستوى العدالة الإنسانية.

ومن بعده صلى الله عليه وآله وسلم جاء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ليُكمل هذه المسيرة المباركة ويُحافظ على مبادئ العدل بين الناس، ويرفض كلّ أشكال

65

الانحراف والتعدّي على الحقوق، ومهادنة الباطل على حساب الحقّ، ويأبى إلّا أنْ يكون الناس سواسية في دولته العادلة، ما أزعج الكثيرين من النفعيّين والوصوليّين فراحوا يكيدون له المكائد وينصبون له الأفخاخ، والإمام عليّعليه السلامماضٍ في نهجه لا يخشى أحداً منهم.

الانحراف عن سياسية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

دلّت الأحداث التاريخيّة بعد عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على مدى الاستغلال الواضح لشريعته السمحاء، فما لبثت الأمّة الإسلاميّة بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن تحوّلت عن مسارها الصحيح لتُصبح وسيلة لتحقيق المصالح الشخصيّة، والانتقام من صاحب الرسالة الّذي دمّر عروش الظالمين والمستبدّين. وتجلّى ذلك في وصول بني أميّة إلى المواقع الأساسيّة في الحكم فأمعنوا في الانحراف، والتحكّم بمقدّرات الأمّة وإمكاناتها، وكلّ همّهم الملذّات والشهوات. وفي وصفه لهذه المرحلة التاريخيّة، والحالة الّتي وصل إليها الأمويّون في سياستهم يقول الإمام عليّ عليه السلام:

"والله لا يزالون حتّى لا يدعوا لله مُحرّماً إلّا استحلّوه، ولا عقداً إلّا حلّوه، وحتّى لا يبقى بيتُ مَدَر ولا وَبَر إلّا دخله ظلمهم، ونَبا به سوءُ رعيهم، وحتّى يقوم الباكيان يبكيان: باكٍ يبكي لدينه، وباكٍ يبكي لدنياه.."2.

ومن هنا فقد واجه الإمام عليه السلام لدى تسلّمه زمام الحكم مشاكل عديدة مثل الفقر المدقع والغنى الفاحش، وتعامل الولاة مع الإنسان على أساس نسبه وعشيرته دون مراعاة المقاييس الدينيّة والاجتماعيّة، وعدم المساواة في التوزيع الماليّ والاقتصاديّ.

66

هذا ما دفع الإمام عليّاً عليه السلام إلى رفع شعاره الأساس لمرحلة ولايته وحكمه، وهو تحقيق منهج الإصلاح والعدالة، وأعلن ذلك بقوله: "... وأيمُ الله لأُنصِفنَّ المظلوم من ظالمه، ولأقودَنّ الظالم بخزامته، حتّى أورِدَهُ منهل الحقّ وإن كان كارهاً"3.

عوامل الانحراف في الأمّة الإسلاميّة

حدّد الإمام عليّ عليه السلام في نهج البلاغة الأسباب الرئيسة لانحراف الأمّة عن خطّ النبوّة والرسالة، وأرجع جميع الأسباب إلى أصلٍ واحد وهو انحراف الحاكم، يقول عليه السلام: "وقد علمتم أنّه لا ينبغي أنْ يكون الوالي على الفروج والدِّماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمتهُ4، ولا الجاهل فيضلّهُم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف5 للِدُّولِ 6 فيتّخذ قوماً دون قوم، ولا المُرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع7 ، ولا المُعطِّل للِسُّنّة فيُهلِكَ الأمَّة"8.

هذه الصفات العامّة السلبيّة الّتي ذكرها الإمام عليه السلام كانت الطابع الّذي تميّز به الولاة والحكّام في تلك الفترة. ويُمكن إيجاز أهمّ الممارسات المنحرفة الّتي قاموا بها بالأمور التالية:

1- العطاء غير العادل

خلافاً لسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسياسته في التسوية بين الناس في العطاء،

67

وعدم تفضيل أحدٍ منهم على أحد، فقد جرى الخليفة الثاني على خلاف ذلك، وفضّل السابقين على غيرهم، وفضّل المهاجرين على الأنصار، والعرب على العجم...9

ولم يكن ذلك على أساس التقوى والعمل الصالح، ما أعاد الروح القبليّة والجاهليّة من جديد.

2 - توزيع المال على الأقرباء

فقد خصّص عثمان آله وذويه وغيرهم من أعيان قريش بالهبات الضخمة، ما أثار اعتراض الناس، وفي ذلك يقول عليه السلام: "إلى أنْ قام ثالث القوم... وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع"10.

3 - نشوء أصحاب الأموال

وذلك بسبب ترك الأغنياء دفع الزكاة (بغطاء من الخليفة الثالث)، وتدفّق الثروات على المدينة ومكّة واستئثار الخواصّ بها، فانتشر في المدينة أنواع اللهو وأوجد الخليفة الثالث طبقتين من الشعب:

الأولى: طبقة الارستقراطيّين، وهم أصحاب الثروات الضخمة.

الثانية: طبقة الفقراء والمحرومين.

يقول المسعوديّ: "وفي أيّام عثمان.. بلغت ثروة الزبير خمسين ألف دينار وألف فرس، وألف عبد... وكانت غِلّة طلحة من العراق كلّ يوم ألف دينار. وحين مات زيد بن ثابت خلّف من الذهب والفضّة ما كان يُكسّر بالفؤوس..."11.

68

4- الولاة المعادون للإسلام

ففي عهد عثمان وصل إلى الحُكم مجموعة من الناس عُرِفت بعدائها للإسلام. ومن الطبيعيّ أنْ ينعكس ذلك على كلّ مظاهر العدالة، فقد ولّى عثمان - كما قال ابن أبي الحديد - أمور المسلمين من لا يصلح لذلك ولا يؤتمن عليه، ومن ظهر منه الفسق والفساد، ومن لا علم له عنده، مراعاةً منه لحرمةِ القرابة...12

نتائج السياسة الحاكمة

تمخّضت السياسة العثمانيّة في المال والإدارة عن نقمةٍ شعبيّة عارمةٍ. وكان موقف الإمام عليه السلام من هذه السياسة واضحاً حيث استنكرها واعتبرها مخالفة للشريعة الإسلاميّة وعدالتها.

وهذا ما دعا الإمام عليه السلام إلى القبول باستلام الخلافة وزمام الأمور. ومن غير شكّ فإنّ الهدف الأساس للإمام عليه السلام من وراء الموافقة على تسلّم الحكم هو الإصلاح والتغيير لكلّ ظواهر الانحراف في المجتمع الإسلاميّ، لا سيّما إرساء قواعد العدالة بين الناس والمساواة بينهم، وهذا ما سيتّضح لنا في الفقرة التالية.

الإمام عليّ عليه السلام رائد الإصلاح في مواجهة الانحراف

سعى الإمام عليه السلام من اللحظات الأولى لوصوله إلى الحكم نحو ترسيخ أُسس العدالة، وإصلاح ما فسد في الأمّة الإسلاميّة، فساوى في العطاء، وأمر أصحاب الثروات بدفع ما عليهم من حقوق، وعَزَل الولاة، وحاسب بعضهم، وطبّق مبادئ عظيمة من قبيل "من أين لك هذا".

69

وحدّد الأهداف الأساس الّتي جعلته يقبل بالتصدّي للخلافة بقوله:

"اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الّذي كان مِنّا منافسةً في سلطان، ولا التماس شيءٍ من فضول الحُطام، ولكنْ لِنرِدَّ المعالم من دينك ونُظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عِبادك وتُقام المُعطّلةُ من حُدودِك"13.

وكان شعاره في الحُكم دائماً القضاء على الظلم حيث يقول عليه السلام:

"والله لئنْ أبيتُ على حسك14 السعدان15 مسهّداً 16، أو أُجرَّ في الأغلال مُصفّداً، أحبُّ إليَّ من أنْ ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيءٍ من الحُطام، وكيف أظلِمُ أحداً لنفسٍ يُسرِعُ إلى البلى قُفُولها 17، ويطول في الثّرى18 حُلُولها؟"19.

وسلك الإمام عليه السلام منهجاً مدروساً من أجل تحقيق الأهداف السامية، والقضاء على الظواهر المَرَضيّة الّتي حلّت في الدولة الإسلاميّة وكانت سبباً في انحراف الأمّة، وكان من أهمّ الظواهر الّتي سعى للقضاء عليها واقتلاعها من جذورها على ضوء ما ورد في نهج البلاغة ما يلي:

1 - ظاهرة الانحراف عن كتاب الله وسنّة نبيّه:

فتوجّه عليه السلام إلى رأس السلطة الّذي أمات السُنَنَ، وأحيا البدع، وانحرف عن الكتاب بقوله: "فاعلم أنّ أفضل عباد الله إمامٌ عادل، هُديَ وهدى، فأقام سُنّة معلومة، وأمات بدعةً مجهولة، وإنّ البِدَع لظاهرة، لها أعلام، وإنّ شرّ

70

الناس عند الله إمامٌ جائر ضلّ وضُلّ به، فأمات سُنّةً مأخوذة، وأحيا بدعةً متروكة.."20.

2 - ظاهرة تعظيم الخليفة

اعتاد بعض أصحاب المصالح أنْ يُعظِّموا موقعيّة الحاكم وخلافته بين الناس، ولكنّ الإمام عليه السلام أراد أنْ يكون الخليفة كواحدٍ من الناس، لا أنْ يكون كالملوك والسلاطين، يقول عليه السلام:

"... وإنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أنْ يظنّ بهم حبَّ الفخر، ويُوضَعَ أمرَهُم على الكِبْر، وقد كرهت أنْ يكون جَالَ في ظنِّكم أنّي أُحبُّ الإطراء، واستماع الثناء، ولست بحمد الله كذلك. لا تكلّموني بما تُكلّم به الجبابرة، ولا تتحفّظوا منّي بما يُتحفّظ به عند أهل البادرة، ولا تُخالطوني بالمصانعة، ولا تظنّوا بي استثقالاً في حقٍّ قيل لي، ولا التماس إعظامٍ لنفسي، فإنّه من استثقل الحقّ أنْ يُقال له أو العدل أنْ يُعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفّوا عن مقالةٍ بحقّ أو مشورةٍ بعدلٍ..."21.

3- ظاهرة اهتمام الخليفة بحياته الخاصّة

رسم الإمام عليه السلام أجمل وأعظم قانون للنظام الاجتماعيّ في الإسلام، حيث حدّد مبادئ التكافل والتساوي الاجتماعيّ بين الحاكم والرعيّة، وكيف يجب أنْ يتأسّى الحاكم بأضعف رعيّته، ويشعر بآلامهم ومشاكلهم، وأنْ لا يستغلّ الخلافة لإشباع شهواته ورغباته، يقول عليه السلام:

"ألا وإنّ لكلِّ مأمومٍ إماماً يقتدي به، ويستضيء بنور علمه. ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه... فوالله ما كنزتُ من

71

دنياكم تبراً ولا ادخّرتُ من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طِمراً، ولا حزتُ من أرضها شبراً.. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مُصَفّى هذا العسل، ولُباب هذا القمح... ولكنْ هيهات أنْ يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القُرص، ولا عهد له بالشبع، أوَأبيتُ مبطاناً وحولي بطونٌ غرثى، وأكبادٌ حرّى؟! أوَأكون كما قال القائل:

وحسبُك داءً أنْ تبيت ببطنةٍ وحولَكَ أكبادٌ تحِنُّ إلى القدِّ


أأقنع من نفسي بأنْ يُقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أُشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون لهم أُسوةً في جشوبة العيش؟"22.

4- ظاهرة تفضيل القربى

وهي من الظواهر الّتي تغلغلت في جسم الخلافة لدى وصول عثمان إلى الحُكم، فقد وصل معه التغلغل الأمويّ في جسم الخلافة إلى أبعد الحدود، وسيطروا على مقاليد وزمام الأمور وذلك بسبب قرابتهم من الخليفة الثالث.

مبادئ تحقيق العدالة

بعد جهاد الإمام عليه السلام ومحاربته لكلّ أنواع الظلم والفساد، وقضائه على كلّ أشكال ومظاهر الانحراف من خلال منهجه الإصلاحيّ الرائد، اتبع ذلك بخطوات عملية تمثّلت بتطبيق بعض المبادئ الّتي تكفل تحقيق العدل والمساواة وهي:

72

أوّلاً: في المجال الإداريّ

أ- تبديل الولاة والحكّام:

نشأ الفساد في الأجهزة الإداريّة بسبب فساد معظم الولاة، فقام عليه السلام بعزل الولاة السابقين، وولّى رجالاً من أهل الدين والعِفّة، فولّى على البصرة عثمان بن حنيف، وعلى الشام سهل بن حنيف، وعلى مصر قيس بن سعد.. وفي هذا المجال يقول عليه السلام:

"فليست تصلح الرّعية إلّا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلّا باستقامة الرعيّة"23.

وأمّا في شأن هؤلاء الولاة الّذين تحدّثنا عنهم فيقول عليه السلام:

"ولكنّني آسى أنْ يلي أمر هذه الأمّة سفهاؤها وفجّارها، فيتّخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً، فإنّ منهم الّذي قد شرب فيكم الحرام، وجُلِدَ حدّاً في الإسلام، وإنّ منهم من لم يُسلِم حتّى رُضِخَت له على الإسلام الرضائخ"24.

ب - تنظيم جهاز المحاسبة والرقابة:

لم يكتفِ الإمام عليه السلام بعزل الولاة السابقين، بل إنّه عمل على الحفاظ والسهر على شؤون الأمّة من خلال مراقبة الولاة الجدد، وإرسال الكتب إليهم الّتي يذكر لهم فيها مبادئه، ومثالاً على ذلك رسالته إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة.

"أمّا بعد: يا بن حُنيف، فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية أهل البصرةِ قد دعاك

73

إلى مأدبةٍ فأسرعت إليها، تُستطاب لك الألوان، وتُنْقَلُ إليك الجفان، وما ظننت أنّك تُجيبُ إلى طعام قومٍ عائلهم مجفوّ، وغَنيّهم مدعوّ..."25.

وفي كتاب له إلى زياد بن أبيه يقول:

"وإنّي أُقسِمُ بالله قسماً صادقاً، لئن بَلَغَني أنّك خُنت من فيءِ المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً، لأشُدَّنَّ عليك شَدَّةً تَدَعُكَ قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الأمر والسلام"26.

ج - السؤال عن مصدر الثروة:
من جملة الأمور الّتي كان الإمام عليّ عليه السلام يُتابع من خلالها مراقبة الولاة وأعمالهم، هو سؤالهم عن مصادر أموالهم وثرواتهم. ففي كتاب له إلى بعض عمّاله يقول عليه السلام:

"أمّا بعد فقد بلغني عنك أمرٌ إنْ كنت فعلتَهُ، فقد أسخطت ربّك وعصيت إمامك، وأخزيت أمانتك! بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك وأكلت ما تحت يديك فارفع ليّ حسابك. واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس... كأنّك - لا أبا لغيرك - حدرتَ إلى أهلك تراثك من أبيك وأمّك، فسبحان الله! أما تؤمن بالمعاد، أوَما تخاف نقاش الحساب؟ أيّها المعدود كان عندنا من أولي الألباب، كيف تُسيغ شراباً وطعاماً، وأنت تعلم أنّك تأكل حراماً، وتشرب حراماً، وتبتاع الإماء، وتنكح النساء من أموال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين، الّذين أفاء الله عليهم هذه الأموال، وأحرز بهم هذه البلاد؟..."27.

74

ثانياً: في المجال الاقتصاديّ

أ- المساواة في توزيع المال: فقد افتتح عليه السلام عهده بإعلان شعاره: المساواة في العطاء:

"ولا يتخلّفنّ أحدٌ منكم عربيّ ولا عجميّ، كان من أهل العطاء أم لم يكن، إلّا حضر.."28. وفي خطبةٍ له عليه السلام يؤكّد نهجه في مبدأ التسوية في العطاء، يقول عليه السلام:

"فأمّا هذا الفيء فليس لأحدٍ على أحد فيه إثرة، وقد فرغ الله من قسمته، فهو مال الله، وأنتم عباد الله المسلمون، وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلمنا، وعهد نبيِّنا بين أظهرنا فمن لم يرضَ به فليتولّ كيف شاء"29.

ب -مصادرة أموال الطبقة الارستقراطيّة التي أخذوها ظلماً: فقد أعلن في بداية عهده حكمه بمصادرة جميع ما أقطعه الخلفاء من القطائع، وما وهبوه من الأموال العظيمة للطبقة الأرستقراطيّة، وفي هذا يقول عليه السلام:

"أيّها الناس إنّي رجل منكم، لي ما لكّم وعليَّ ما عليكم، وإنّي حامِلُكُم على منهج نبيِّكم، ومُنَفِّذٌ فيكم ما أمر به، ألا وإنّ كلّ قطيعةٍ أقطعها عثمان، وكلّ مالٍ أعطاه من مال الله فهو مردودٌ في بيت المالِ، فإنّ الحقّ لا يُبطِلُه شيءٌ، ولو وَجدْتُهُ قد تُزوِّج به النساء، ومُلِكَ به الإماء، وفُرِّق في البلدان لَردَدتُهُ، فإنّ في العدل سعةً، ومن ضاق عليه العدلُ فالجور عليه أضيقٌ"30.

ج - التكافل الاجتماعي ومواساة الآخرين: من الأمور الواضحة في سياسته عليه السلام أنّه لم يكن بعيداً عن تطبيق مبادئه على نفسه، حيث كان عليه السلام

75

يعيش كما يعيش أضعف رعيّته فيواسيهم في فقرهم وحرمانهم، ويأبى إلّا أنْ يكون كواحدٍ منهم، انطلاقاً من رفضه لكلِّ أشكال التمايز الطبقيّ. ففي وصيّةٍ له لأحد ولاته يقول عليه السلام:

"إضرب بطرفك حيث شئت من الناس، فهل تُبصر إلّا فقيراً يُكابد فقراً، أو غنيّاً بدّل نعمة الله كفراً، أو بخيلاً اتّخذ البخل بحقّ الله وفراً؟..."31.

خلاصة الدرس

ـ الإسلام دين العدالة إلّا أنّ الخلافة الإسلاميّة بعد الرسول انحرفت عن مبادئ الإسلام وسياسة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ـ من مظاهر الانحراف في جسم الخلافة:

1 ـ العطاء غير العادل 2 ـ توزيع المال على الأقرباء 3 ـ نشوء أصحاب الأموال 4 ـ وجود ولاة معادين للإسلام.

ـ كانت للانحرافات السالفة أثرها على الشعب حيث نَقِم على الخليفة والولاة، وكان للإمام عليّ عليه السلام دوره في الإصلاح ومواجهة الانحراف.

ـ من إصلاحات الإمام عليّ عليه السلام:

1ـ تبديل الولاة والحكّام 2 ـ تنظيم جهاز المحاسبة والرقابة. 3 ـ السؤال عن مصدر الثروة 4 ـ المساواة في توزيع المال 5 ـ التكافل الاجتماعيّ ومواساة الآخرين.

76

أســــــئـلـــة

1- عدّد بعضاً من عوامل الانحراف في الأمّة الإسلاميّة.
2- اذكر بعضاً من الظواهر الإجتماعيّة المَرَضيّة الّتي عمل الإمام عليه السلام على اقتلاعها.
3- تحدّث بإيجاز عن مبادئ تحقيق العدالة في مرآة أمير المؤمنين عليه السلام.

77

هوامش

1- سورة الحديد، الآية: 25.
2- نهج البلاغة، الخطبة 96.
3- نهج البلاغة، الكتاب 136.
4- النهمة، بفتح النون وسكون الهاء، إفراط الشهوة والمبالغة في الحرص.
5- الحائف، من الحَيْف، أي الظلم والجور.
6- الدُوَل، جمع دُولة بالضم، وهي المال، لأنّه يُتدَاول أي يُنقل من يدٍ ليد، والمراد من يحيف في تقسيم الأموال فيفضِّل قوماً في العطاء على قومٍ بلا موجب للتفضيل.
7- المقاطع، الحدود التي عيّنها الله لها.
8- نهج البلاغة، الكتاب 131.
9- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج8، ص11.
10- نهج البلاغة، الخطبة 3.
11- مروج الذهب، المسعودي، ج 2، ص 341- 343.
12- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 3، ص 11.
13- نهج البلاغة، الخطبة 129.
14- الحسك، الشوك.
15- السعدان، نبت ترعاه الإبل له شوكة.
16- المُسهّد، من سهّده إذا سهّره.
17-قُفُولها، رجوعها.
18- الثرى، التراب.
19- نهج البلاغة، الكتاب 224.
20- نهج البلاغة، الخطبة 164.
21- م. ن، الخطبة 216.
22- نهج البلاغة، الكتاب 45.
23- نهج البلاغة، الخطبة 216
24- م. ن، الكتاب 62.
25- نهج البلاغة، الكتاب 45.
26- م. ن، الكتاب 20.
27- م. ن، الكتاب 41.
28- شرح النهج، ج 7، ص 37.
29- م. ن، ج 7، ص40.
30- م. ن، ج 1، ص 269, 270.
31- نهج البلاغة، الخطبة 219.

يتبع

اخـــــــــــر مواضيعــــــــي






رد مع اقتباس Share with Facebook
   
   
قديم 03-20-2019, 11:00 PM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عضو حسيني
عضو مميز

إحصائية العضو






 

الشيخ عباس محمد غير متصل حالياً

 


كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : نهج البلاغة
افتراضي

الدرس السادس: اهداف الحكومة والمشاكل التي واجهت حكم الإمام


أهداف الدرس

1- أنْ يتعرَّف الطالب إلى المشاكل الّتي واجهت الإمام عليّ عليه السلام الحكم والحكومة.
2- أنْ يتعرَّف إلى كيفيّة مواجهة الإمام لمشكلة الخوارج.
3- أنْ يتعرَّف الطالب إلى غاية الإمام عليّ عليه السلام من الحُكم.
4- أنْ يتعرّف إلى صفات الحاكم الصالح.

79


أنواع التحدّيات التي واجهت الإمام عليه السلام

بنظرة أوّليّة يُمكن تقسيم المعضلات الّتي واجهت الحكم في الإسلام في زمن خلافة الإمام عليّعليه السلام إلى ما يلي:

1 - التشكيك بضرورة وبداهة وجود حكومة في الإسلام. ويتمثّل ذلك بدعوى الخوارج.

2 - التشكيك بأهليّة شخص الإمام عليّ عليه السلام للحكومة والولاية، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

3 - التشكيك بوجود نصّ في كونه هو الوليّ والخليفة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم كذلك.

4 - اعتراض جماعة المتضرّرين من حكمه وإدارته (أهل الجمل).

5 - تركة الخلفاء السابقين من الولاة ذوي الأطماع والوصوليّين من جهة وغير الكفوئين من جهة ثانية، أمثال معاوية وأبي موسى الأشعريّ وكذلك الموظّفين الدنيويّين أمثال شُريح وغيره.

6 - تشويه النظرة العامّة لموقع الخليفة أو الإمام حيث كان أقرب إلى الجاه والدنيا منه إلى الوظيفة والمسؤوليّة والتكليف.

81

7 - تذبذب بعض الناس واشتباه الأمور عليهم خصوصاً بسبب بعض من يُظنّ بهم القداسة أو الرأي، كما حصل في واقعة الجمل، إذ كان في مقابل الإمام عليّ عليه السلام عائشة والزبير وطلحة.
وسيظهر لك ممّا سيأتي كيف واجه الإمام عليّ عليه السلام كلّ هذه الأمور.

أهمّيّة الحكومة في نهج البلاغة

لقد كانت ضرورة وجود حكومة في الإسلام ووجود وليّ وقيّم يقوم بمهمّة الإدارة والقيادة للدولة الإسلاميّة غير خافية على أحد ممّن عايش الإسلام منذ بداية الدعوة وحتّى زمن الإمام عليّ عليه السلام. وفي التاريخ النبويّ شواهد على ذلك، خصوصاً وقد صرّح الإمام عليّ عليه السلام كثيراً في كلماته في "نهج البلاغة" بوجوب وجود حكومة قويّة، ووقف بشدّة في وجه دعوى الخوارج وكافح لأجل عدم انتشارها وتبنّيها من أبناء الأمّة الإسلاميّة.

ولقد كان شعار الخوارج (لا حكم إلّا لله). وقد اقتبسوه من القرآن الكريم حيث يقول تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلهِ﴾ وبنوا عليها دعواهم بعدم الحاجة إلى حكومة مع وجود القرآن بين المسلمين.

والخوارج الّذين كانوا يؤلّفون فئة سطحيّة العقيدة متلبّسة بالقداسة الكاذبة يسهل خداعهم وتمرير الحيل عليهم. وكان معاوية وابن العاص يعلمان بوجود هكذا نوعيّة في أنصار الإمام عليّ عليه السلام فعمدا إلى حيلة رفع المصاحف في صفّين وألجآ الإمام إلى القبول بالتحكيم، ولمّا فعل أبو موسى الأشعريّ ما فعل مع ما كان من دهاء ابن العاص، وكان الخوارج من فرض على الإمام أصل التحكيم وأن يكون أبو موسى هو ممثّل الإمام وأصحابه، ولمّا رأوا ما آلت إليه هذه المكيدة بَدَلَ أنْ يتراجعوا ويتوبوا رفضوا أصل الحكم البشرّي وقالوا للإمام

82

علي ّعليه السلام: "الحكم لله لا لك ولا لأصحابك يا عليّ".

وقد مضوا في معتقدهم هذا محاربين لأمير المؤمنين عليه السلام وهو إمام الحقّ وترجمان الوحي والقرآن الناطق، حتّى أدّى ذلك إلى سفك الدماء في حرب النهروان.

وقد قال عليه السلام لمّا سمع كلام الخوارج "لا حكم إلّا لله":

1 - "كلمة حقّ يراد بها باطل..." بمعنى أنّ هذا المضمون حقّ، ولكنّ المراد منه غير ما ذهبوا إليه. نعم لا حكم إلّا لله أي أنّ أصل وضع الحكم والقانون بيد الله وحده لأنّه لا يُشرِّع القانون إلّا الله.

ويُكمل عليه السلام الردّ قائلاً:

2- "... نعم إنّه لا حكم إلّا لله ولكنّ هؤلاء يقولون لا إمرة إلّا لله"... فهؤلاء يُريدون القول أنْ لا قيادة ولا زعامة إلّا لله وهذا باطل، فالحكم لا بُدَّ من إجرائه على يد بشريّ يسوس الناس على ضوء القانون الإلهيّ. بل إنّ هذه اللابدّية للحكم والحكومة ليست إسلاميّة فقط، بل إنسانيّة يقتضيها الطبع البشريّ في جانبه الاجتماعيّ.

3 - "... وإنّه لا بُدَّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويُجمع به الفي‏ء ويُقاتل به العدوّ وتأمن به السبل ويُؤخذ به للضعيف من القويِّ حتّى يستريح برّ ويُستراح من فاجر"1. ولو أردنا تقطيع كلام الإمام عليه السلام هذا لوجدنا في تعليله أنّه قد بيّن نواحي الاحتياج إلى القيادة والسياسة والحكومة من

83

ضرورات اقتصاديّة وعمرانيّة وأمنيّة وقضائيّة وغيرها.

وهذا النصّ عنه عليه السلام يُبيّن أمراً دقيقاً، وهو أنّ هناك فرقاً بين الحكم والإمارة. فالحكم المطلق من حقّ الله الّذي له تشريع القانون وتعيين من يُنفّذه وله الأمر والنهي ووضع السياسة العامّة للمجتمع. أمّا الإمارة الّتي تعني القيادة والزعامة والإشراف فهي ممّا أعطاه الله للعباد وهي أمرٌ لا يستغني عنه أيّ مجتمع. فأصل الإمارة والزعامة بنظر الإمام عليّ عليه السلام ممّا لا يُمكن لأيّ مجتمع أنْ يبقى بدونه سواء كان القيّم والمُشرِف قانونيّاً وشرعيّاً أم غير قانونيّ للضرورات التالية:

1- توفير حرّيّة العمل للمؤمنين الصالحين "يعمل في إمرته المؤمن".

2- توفير الأمن بكلِّ أشكاله حتّى للكافرين والفاسقين "ويستمتع فيها الكافر".

3- إعمار البلاد من خلال صرف الأموال العامّة فيها "ويُجمع به الفي‏ء".

حماية المجتمع من الفتن الداخليّة والأعداء الخارجيّين "ويُقاتل به العدوّ وتأمن به السبل".

إنصاف المظلومين وحماية الحقوق وضمان عدم التعدّي، وهذا من لوازم وجود سلطة قضائيّة ونظام قضائيّ "ويؤخذ به للضعيف من القويّ حتّى يستريح برّ ويُستراح من فاجر".

وعليه فكلام الإمام عليه السلام لا يعني أنّه لا فرق بين النظام الصالح وغير الصالح، ولكنّه يعني أنّه لا مفرّ لأيّ شعب وأيّ أمّة من وجود حكومة تقوم بتحقيق الأهداف المشتركة ذات الأثر والأهميّة العالية في الحياة، والّتي تُشكِّل حاجات حيويّة ومشتركة وعامّة. بل إنّ وجود الحكومة والقيادة والزعامة من المبادى‏ء الضروريّة والحيويّة الّتي لا يُمكن إنكارها في أيّ منطق أكان إسلاميّاً

84

أو إلحاديّاً.

مشكلة الحكم والحكومة

لقد كان ردّ الإمام عليّ عليه السلام على المنكرين لضرورة الحكومة والحاكم في الإسلام بالسيرة والضرورة البشريّة، واستنتجنا أنّ وجود الحكومة والقيادة والزعامة من المبادى‏ء الضروريّة والحيويّة الّتي لا يُمكن إنكارها في أيّ منطق مهما كان منطق الإنسان ومذهبه.

ولعلّ المشكلة الأساس في موضوع الحكم والولاية لم تكن من الكفّار والملحدين في مواجهة المشروع الإلهيّ والقادة الإلهيّين، وإنّما كانت بالدرجة الأولى من السطحيّين والسذَّج الّذين يُمكن خداعهم بسهولة، وكذلك مع المتلوّنين المذبذبين الّذين لا يستقرّون على حال ولا يثبتون على رأي، وإنّما هم مع كلّ ناعق ينعقون ومع كلّ ريح يميلون.

وأخطر ما واجهه الإمام عليّ عليه السلام وشكّل مشكلة كبرى له؛ هم المنافقون الّذين اتّخذوا الإسلام رداءً والقرآن شعاراً خداعاً للمؤمنين وكيداً لأولياء الله.

وساعدهم على ذلك أنّ الناس كانوا تحت تأثير ضوضاء الصراعات والحروب الدائرة على خلفيّة الإمارة والولاية، وفي أجواء الانخداع بتجربة السابقين في الحكم والخلافة، وقد ملأت أسماعهم كلمات وخطب مدّعي المكانة والمقام والقداسة في الإسلام فأصبحوا عليه أوصياء، وإلى الحقّ فيه بنظر الناس أدلّاء، حتّى انخدع بعض من كان في صفّ الإمام عليه السلام فتساءل: أيُعقل أنْ يكون هؤلاء وفيهم من فيهم على باطل ليأتي ردّ الإمام عليّ عليه السلام: "لا يُعرف الحقّ بالرجال ولكنْ إعرف الحقّ تعرف أهله".

قيل إنّ الحارث بن حوط أتاه فقال: أتراني أظنّ أصحاب الجمل كانوا على

85

ضلالة؟ فقال عليه السلام: "يا حارث إنّك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك فحرت! إنّك لم تعرف الحقّ لتعرف من أتاه ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه"2.

أهداف الإمام عليّ عليه السلام من الحكومة

يُمكن تلخيص أهداف الحكومة بنظر الإمام عليّ عليه السلام كما ذكرها هو في قوله لابن عبّاس عندما دخل عليه بذي قار وهو يخصف نعله فقال له عليه السلام: "ما قيمة هذه النعل؟ فقال: لا قيمة لها! فقال عليه السلام. والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلّا أنْ أُقيم حقّاً، أو أدفع باطلاً"3.

فلا هدف عنده إلّا إحقاق الحقّ ودفع الباطل.

وإليك هذه النصوص الّتي تُجمل هذه الأهداف.

يقول عليه السلام: "اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الّذي كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شي‏ء من فضول الحطام، ولكنْ لنردّ المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتُقام المعطّلة من حدودك"4.

ويقول في موضع آخر:

"وإنّي إلى لقاء الله لمشتاق وحسن ثوابه لمنتظر راج، ولكنّني آسى أنْ يلي أمر هذه الأمّة سفهاؤها وفجّارها، فيتّخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً5والصالحين حرْباً والفاسقين حزباً فإنّ منهم الّذي قد شرب فيكم الحرام وجُلِدَ حدّاً في الإسلام6 وإنّ منهم من لم يُسلم حتّى رضخت له على الإسلام

86

الرضائخ 7فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وتأنيبكم وجمعكم وتحريضكم ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم"8.

فأهدافه هي:

1 - إنّ الحكومة كمنصبٍ وجاهٍ دنيويّ ليست غرضاً ولا تستحقّ أنْ تكون غاية وهدفاً، والنعل البالية أفضل منها ما لم يترتّب عليها إقامة الحقّ وإزهاق الباطل. ولذا نفى أنْ يكون طلب الحكم هو لأجل تحصيل السلطة وطلباً للدنيا "لم يكن الّذي كان منّا منافسة في سلطان ولا التماسَ شي‏ء من فضول الحطام".

لأنّه بنظر الإمام - النابع من عمق الإسلام - الحاكم أمين على إجراء الحكم والعدل وليس مالكاً له فهو يوصي بعض ولاته فيقول: "وإنّ عملك ليس لك بطعمة ولكنّه في عنقك أمانة وأنت مسترعى من فوقك، ليس لك أن تفتات9 في رعيّة، ولا تُخاطر إلّا بوثيقة"10.
2 - نصرة المظلومين واستنقاذهم من أيدي الظالمين وعدم السكوت على ظلم الظالمين "وما أخذ الله على العلماء أنْ لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم".

3 - حراسة أمن الناس: "فيأمن المظلومون من عبادك".

4 - إقامة الحدود على الظالمين: "وتُقام المعطَّلة من حدودك".

5 - حراسة حدود الدين ومواجهة أهل البدع: "ولكنْ لنردّ المعالم من دينك... فأقام سنّة معلومة وأمات بدعة مجهولة".

87

6- والهداية: "فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمامٌ عادلٌ، هُدي وهَدى".

7 - الإصلاح لما قد تراكم من اعوجاج وتأصّل من انحراف: "ونُظهر الإصلاح في بلادك...".

8 - عدم إخلاء الساحة لذوي المطامع والفسّاق والوصوليّين لخطورتهم على الدين والأمّة، "ولكنّي آسى أنْ يلي أمر هذه الأمّة سفهاؤها وفجّارها...".

ويُمكن تلخيص هذا كلِّه بالقول إنّ الهدف هو إقامة العدل ومحق الباطل ومحو الظلم بكافّة أشكاله.

صفات الحاكم في نهج البلاغة

1- التقوى

قال عليه السلام في صفة التقيّ: "قد ألزم نفسه العدل فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه"11.

2- العدالة وترك الظلم:

وقد وصف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "سيرته القصد وسنّته الرشد وكلامه الفصل وحكمه العدل"12.

وقال عليه السلام: "وإنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودّة الرعيّة".

وقال عليه السلام: "بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد"13.

88

3- عدم الاستئثار والاستبداد

من كتابه إلى عامله على آذربيجان:
"وليس لك أنْ تفتات14 في رعيّة ولا تُخاطر إلّا بوثيقة".

4- الرحمة والمحبّة للرعيّة

وكتب إلى مالك الأشتر: "وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

5- عدم التبجّح بالمناصب

"ولا تقولنّ إنّي مؤمّر فأُطاع، فإنّ ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرّب من الغير"15.

صفات من لا يصلح للولاية

يقول عليه السلام:

"وقد علمتم أنّه لا ينبغي أنْ يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين:

أ - البخيل فتكون في أموالهم نهمته.
ب - ولا الجاهل فيضلّهم بجهله.
ج - ولا الجافي فيقطعهم بجفائه.
د - ولا الحائف للدول فيتّخذ قوماً دون قوم.

89

هــ - ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع.
و - ولا المعطّل للسُنّة فيُهلك الأمّة"16.

خلاصة الدرس

ـ من المشكلات الّتي واجهت الإمام عليّ عليه السلام في قضيّة الحكم في الإسلام:

1 ـ مشكلة الخوارج ودعواهم أنّه لا حكم إلّا لله.

2 ـ التشكيك بأهليّة شخص الإمام للحكم.

3 ـ التشكيك بوجود نصّ في كونه الوليّ بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

4 ـ مشكلة أهل الجمل.

5 ـ تركة الخلفاء السابقين من الولاة ذوي الأطماع.

6 ـ تذبذب الناس واشتباه الأمور عليهم في تقييمهم للصحابة.

ـ واجه الإمام عليّ عليه السلام دعوى الخوارج: "لا حكم إلّا لله" بأنّ هذه المقولة كلمة حقّ يُراد بها باطل.. فينبغي التفريق بين الحكم والإمرة والقيادة، فالحكم لله تعالى والإمرة بشريّة، فلا بُدَّ للناس من أمير لتدبير الأمور وتنظيمها وتوفير الأمن وإعمار البلاد وحماية المجتمع.

ـ لم يكن هدف الإمام عليّ عليه السلام من الحكم إلّا إحقاق الحقّ ونشر العدالة والهداية للإسلام.

ـ من صفات الحاكم الصالح:

1 ـ التقوى 2 ـ العدالة وترك الظلم 3 ـ عدم الاستئثار والاستبداد 4 ـ الرحمة

90

والمحبّة للرعيّة 5 ـ عدم التبجّح بالمناصب.

ـ صفات من لا يصلح للولاية:

1 ـ البخيل 2 ـ الجاهل 3 ـ الجافي 4 ـ الحائف للدول 5 ـ المرتشي 6 ـ المعطّل للسنّة.

أســــــئـلـــة

1- ما هي المعضلات والمشاكل الّتي واجهت الإمام عليه السلام في موضوع قضيّة الحكم في الإسلام؟
2- تحدّث عن أهميّة الحكومة في نهج البلاغة؟
3- كيف واجه الإمام عليه السلام دعوى الخوارج؟
4- أذكر بالتفصيل هدف الإمام عليه السلام من الحكم؟
5- ما هي صفات الحاكم الصالح؟
6- عدّد صفات من لا يصلح للولاية؟نهج البلاغة، الخطبة 240.

91

هوامش

1- نهج البلاغة, الخطبة 240.
2- نهج البلاغة، ج4، ص 63.
3- م. ن، ج 1، ص 80، خ 33.
4- م. ن، ج2، ص 14.
5- عبيداً.
6- ذكر العلامة المجلسيّ أنّه الوليد بن عقبة، وقيل عتبة بن أبي سفيان.
7- أي العطايا، وقيل إنّه عمرو بن العاص.
8- نهج البلاغة، ج3، ص120، كتاب رقم 62.
9- أي تستبدّ.
10- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج14، ص 33.
11- نهج البلاغة، الخطبة 87.
12- م. ن، الخطبة 94.
13- م. ن، من عهده للأشتر، ج3، ص 93.
14- أي تستبدّ.
15- نهج البلاغة، من عهده لمالك الأشتر، ج3، ص 15.
16- نهج البلاغة، ج2، ص 14.

يتبع

اخـــــــــــر مواضيعــــــــي






رد مع اقتباس Share with Facebook
   
   
قديم 03-20-2019, 11:01 PM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عضو حسيني
عضو مميز

إحصائية العضو






 

الشيخ عباس محمد غير متصل حالياً

 


كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : نهج البلاغة
افتراضي

الدرس السابع: الجهاد في نهج البلاغة


أهداف الدرس
1- أنْ يتعرَّف الطالب إلى سيرة الإمام عليّ عليه السلام في الجهاد.
2- أنْ يتعرَّف إلى فكر الإمام عليّ عليه السلام الجهاديّ.
3- أنْ يتبيّن خصائص وصفات القائد الجهاديّ.
4- أنْ يستظهر صفات المقاتل.

93

تمهيد
الجهاد ركن أساس في بناء الدولة الإسلاميّة، ومن الأسباب والعوامل المهمّة الّتي قويَ بها الإسلام، وانتشر بها أمره في العالم بأسره من خلال الغزوات والحروب الّتي قام بها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان الجهاد في سبيل الله لأجل الدعوة إلى التوحيد وتأسيس الدولة الإسلاميّة في ظلِّ راية النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

والجهاد في اللّغة مأخوذ إمّا من الجُهد (بالضمّ)، بمعنى الوسع والطاقة، وإمّا من الجَهد (بالفتح) بمعنى المشقّة. وقيل الجَهْد هو المشقّة والجُهد الطاقة، والجهاد هو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل1.

وقال صاحب الجواهر الشيخ النجفيّ: الجهاد مأخوذ من الجَهْد - بالفتح - بمعنى التعب والمشقّة أو منه بالضمّ كذلك الوسع والطاقة2.

والجهاد في الشرع هو بذل النفس والمال لمحاربة المشركين أو الباغين على وجه مخصوص، أو بذل النفس والمال والوسع في سبيل إعلاء كلمة الإسلام وإقامة شعائر الإيمان. واهتمّ القرآن الكريم بالجهاد ضمن آياته الكريمة، حيث وردت الآيات الكثيرة الّتي تتضمّن الحديث عن مفهوم الجهاد وثوابه وأهمّيّته، وجهاد المسلمين مع الكفّار والمنافقين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ

95

عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾3.

ومقتضى الجهاد وقدسيّته أن يتخلّى الإنسان عن ذاته ونفسه وماله وأهله وولده، ويبتعد عن كلّ القضايا الدنيويّة، ويتوجّه إلى رحاب الله وديار الإيمان. وقد قسّم الله تعالى المسلمين إلى فئتين:

فئة مجاهدة وأخرى قاعدة. وفضّل الأولى على الثانية بمراتب كبيرة، قال تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾4.

الإمام عليّ عليه السلام وقضايا الجهاد

يُشكِّل الفكر الجهاديّ للإمام عليّ عليه السلام أحد أهمّ وأبرز سمات شخصيّته القياديّة الّتي استوعبت جميع جوانب القيادة على المستوى الفكريّ والسياسيّ والعسكريّ والاجتماعيّ.. واكتسب الجهاد لوناً مُميّزاً وبُعداً خاصّاً عند الإمام عليه السلام حيث نجده ينظر إليه من منظار أوسع وأشمل ممّا نعرفه ونعلمه من خلال مصطلحات اللغويّين وكلماتهم. يقول عليه السلام: "الجهاد بابٌ من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة، وجُنَّتُه5 الوثيقة..."6.

96


وهو عنده وسيلة من الوسائل الّتي تُقرّب الإنسان إلى الله ورسوله، يقول عليه السلام:7

"إنّ أفضل ما توسَّل به المتوسّلون إلى الله سبحانه وتعالى الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، فإنّه ذروة الإسلام".

وعلى ضوء ما ورد من نصوص في نهج البلاغة نرى قضايا الجهاد تمحورت حول ما يلي:

1- أهداف الجهاد:

في طليعة أهداف الجهاد نشر التوحيد، وإعلاء كلمة الإسلام8، والقضاء على الشرك، وإعزاز الدين، ونصرة الحقّ، وصلاح الأمّة، وعن هذا يقول عليه السلام "وفرض (الله) الجهادَ عِزّاً للإسلام" ، "إنّ الله فرض الجهاد وعظّمه وجعله نصره وناصره، والله ما صلحت دنيا ولا دين إلّا به"9.

2- فضل الجهاد ومنزلته:

بيَّن الإمام عليّ عليه السلام فضل الجهاد وعظمته ومنزلته، وكونه السبيل المؤدّي للفوز برضوان الله تبارك وتعالى وجنّته ونعيمه، ومن ذلك ما ورد في خطبة الجهاد وفيها يقول عليه السلام: "أمّا بعد: فإنّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنّة، فتَحهُ الله لخاصّة أوليائه، وهو لباسُ التقوى، ودرعُ الله الحصينة، وجُنَّتِه الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه10 ألبسه الله ثوب الذلّ، وشمِلهُ البلاء، ودُيِّثَ11 بالصَّغار والقماءة12 ، وضُرِب

97

على قلبه بالأسداد 13، وأُديل الحقُّ منه14 بتضييع الجهاد، وسيم الخسف15 ، ومُنِع النصف.16."17.

3- أقسام الجهاد ومراتبه:

ينقسم الجهاد في المنظور الفقهيّ إلى قسمين:

الأوّل: الجهاد الابتدائيّ

وهو جهاد الغزو في سبيل الله، والعمل على نشر الإسلام. وهذا القسم لا بُدَّ فيه من إذن الإمام المعصوم أو نائبه كما هو رأي الكثير من الفقهاء، يقول عليه السلام:"لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يُؤمَن على الحكم، ولا يُنفِذُ في الفيء أمر الله عزّ وجلّ، فإنّه إنْ مات في ذلك المكان كان مُعيناً لعدوِّنا في حبس حقِّنا والإشاطة بدمائنا، وميتته ميتةٌ جاهليّة"18.

الثاني: الجهاد للدفاع عن الإسلام

وهو الدفاع عن بلاد المسلمين بالنفس والمال. وهذا الجهاد إنّما يكون عندما يدهم المسلمين عدد من الكفّار للاستيلاء على بلادهم أو أسرهم أو أخذ أموالهم أو حريمهم.. وهذا القسم لا يُشترط فيه إذن الإمام المعصوم عليه السلام ولا نائبه العامّ أو الخاصّ.. وهو واجب كفائيّ على كلّ من كان في دفاعه أدنى نفعٌ لصدِّ العدوان عن الإسلام وأهله، وهو المعبّر عنه في الروايات

98

بالجهاد الأصغر. وقد قسّم الإمام عليّ عليه السلام الجهاد إلى عدّة أقسام بقوله: "الجهاد على أربع شُعب: على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصِّدق في المواطن، وشنآن الفاسقين.."19.

وأمّا مراتب الجهاد، فقد جعلها عليه السلام على ثلاث مراتب بقوله: "أوّل ما تُغْلَبُون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم، ثُمّ بألسنتكم، ثُمّ بقلوبكم. فمن لم يعرف بقلبه معروفاً، ولم يُنكر مُنكراً، قُلِبَ فَجُعِل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه"20.

4- شروط الجهاد:

الجهاد كغيره من العبادات في الإسلام الّتي تخضع لجملةٍ من الظروف والشروط الموضوعيّة الّتي يجب مُراعاتها لتحقيق النتيجة المطلوبة من أدائها، وقد أوضحها الإمام عليّ عليه السلام وبيّنها من خلال كلماته في نهج البلاغة، وبَيَّن متى يلجأ المسلمون إلى الجهاد والدفاع ومن هذه الشروط:

أ - أنْ يكون الجهاد لأجل هداية الناس، ودفع الأذى عن المسلمين وبلادهم، يقول عليه السلام: "فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلّا وأنا أطمع أنْ تلحق بي طائفة فتهتدي بي، وتعشو إلى ضوئي، وذلك أحبُّ إليّ من أنْ أقتلها على ضلالها وإنْ كانت تبوء بإثمها"21.

ب - التوكّل والاعتماد على الله: قال عليه السلام: "فإنّا لم نكن نُقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنّما كنّا نُقاتل بالنصر والمعونة"22.

99


ج - أنْ لا يكون هناك مجال لمعاهدة بين المسلمين وأعدائهم: يقول عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر: "ولا تدفعنَّ صُلحاً دعاك إليه عدوّك، لله فيه رضىً، فإنّ في الصُلح دَعَةً لجنودك، وراحةً في همومك، وأمناً لبلادك، ولكن الحَذَرَ من عدوِّك بعد صلحه.."23.

د - أن يكون تحت قيادة الإمام العادل: يقول عليه السلام: "يا كميل لا غزو إلّا مع إمامٍ عادل ولا نفل إلّا من إمامٍ فاضل.."24.

خصائص وصفات القائد

القائد هو أحد أهمّ الأركان الأساس في الحرب، والمدير والمدبِّر لخطط الحرب وقيادة الجند، وعلى هذا لا بُدَّ أنْ يتمتّع بصفات عالية، ذكر الإمام عليه السلام بعضها في نهجه ومنها:

أ - الإيمان بالله: فعندما ولّى الإمام عليه السلام مالك الأشتر على مصر، عهد إليه وإلى أهل مصر بقوله: "من عَبدِ الله عليّ أمير المؤمنين عليه السلام إلى القوم... أمّّا بعد فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيّام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الرّوع"25.

ففي قوله عليه السلام: "عبداً من عباد الله" يُشير عليه السلام إلى أنّ الإيمان بالله هو أولى صفات القائد.

ب - الحكمة والحذر: والقائد هو الّذي لا يُسرع عندما يلزم الإبطاء فيتهوّر، ولا يُبطئ عندما يلزم الإسراع فيتخلّف. وفي كتاب له عليه السلام إلى أميرين من أمراء جيشه: "أمّرت عليكما وعلى من في حيّزكما مالك بن الحارث

100

الأشتر.. فإنّه ممّن لا يُخاف وهنه ولا سقطته ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطيء عنه أمثل"26.

ج - المحبّة والرأفة بالجُند: في كتابه للأشتر يقول عليه السلام: "ليكن آثر رؤوس جندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جِدَته بما يسعهم ويسع مَنْ وراءهم من خلوف أهليهم.. فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك.."27

د - الأصالة والسابقة الحسنة، وكذلك الكفاءة والشجاعة، والأخلاق: في كتابه للأشتر يوصيه: "... ثُمّ ألصِق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثُمَّ أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنّهم جُماع من الكرم وشُعَب من العُرف..."28.

هـ - تفقّد المجاهدين: فعلى القائد أنْ يتفقّد أحوال الجُند ويُعاملهم معاملة الوالد لولده فيشملهم بعطفه وحنانه، وهذا ما ورد أيضاً في رسالته للأشتر: "ثُمّ تفقُّد من أمورهم ما يتفقّد الوالدان من ولدهما ولا يتفاقمنَّ في نفسك شيء قوّيتهم به، ولا تُحقّرنّ لطفاً تعاهدتهم به وإنْ قلّ... ولا تدع تفقُّد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها"29

و - أنْ يكون نصوحاً حليماً طاهراً: يقول عليه السلام في رسالته للأشتر: "فولِّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً، ممّن يُبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء"30.

101


صفات المقاتل

تتلخّص أهمّ الصفات الّتي يجب أنْ يتميّز بها المقاتل المسلم في كلام الإمام عليه السلام بما يلي:

أ - التوكّل على الله: فالمجاهد في سبيل الله يخوض المعركة بمعنويّات مرتفعة، ويبيع نفسه لله، ويتوكّل عليه وحده، ففي كلام له عليه السلام يوم أعطى الراية لابنه محمّدٍ بن الحنفيّة في معركة الجمل يقول: "تزول الجبال ولا تَزُلْ! عضّ على ناجذك31 ، أعِرِ الله جمجمتك، تِد في الأرض قدمك... واعلم أنّ النصر من عند الله"32.

ب - الطاعة للقائد: فهي من عوامل النصر والنجاح، ولذا يوصي عليه السلام الجند بقوله: "أمّا بعد فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله.. فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ.."33.

والطاعة هي من حقوق القائد على المقاتل، يقول عليه السلام: "ولي عليكم الطاعة وألّا تنكصوا عن دعوة، ولا تُفرِّطوا في صلاح، وأنْ تخوضوا الغمرات إلى الحقّ"34.

ج - الاندفاع وعدم التقاعس: ففي كتاب له عليه السلام إلى أحد قادة جيشه يقول فيه: "فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك، واستغنِ بمن انقاد معك عمّن تقاعس عنك"35.

د - الإيمان بالهدف: فالمُقاتِل المسلم يجب أنْ تتبلور في ذهنه أهداف

102

الجهاد، وأن يحدِّد انتماءه وفقاً لخطّ القيادة، يقول عليه السلام: "اليمين والشمال مضلّة، والطريق الوسطى هي الجادّة، عليها باقي الكتب، وآثار النبوّة، ومنها منفذ السنّة وإليها مصير العاقبة"36.


خلاصة الدرس

ـ كان للإمام عليّ عليه السلام دوره الكبير في الجهاد بإجماع الأمّة.
ـ من معالم الفكر الجهاديّ للإمام عليّ عليه السلام:

1 ـ الجهاد وسيلة للقرب من الله تعالى.

2 ـ من أهداف الجهاد نشر التوحيد، ونصرة الحقّ، وصلاح الأمّة.

3 ـ الجهاد قسمان ابتدائيّ: لا بُدَّ فيه من إذن الإمام المعصوم أو نائبه كما هو رأي أكثر الفقهاء.

ودفاعيّ: بالنفس والمال والعرض، ولا يشترط فيه إذن المعصوم أو نائبه.

4ـ من شروط الجهاد:

أ ـ أنْ يكون الجهاد لأجل هداية الناس
ب ـ التوكّل والاعتماد على الله
ج ـ أنْ لا يكون هناك معاهدة بين المسلمين وأعدائهم
د ـ أنْ يكون تحت قيادة الإمام العادل.

ـ من خصائص وصفات القائد الجهاديّ:

أ ـ الإيمان بالله

103

ب ـ الحكمة والحذر
ج ـ المحبّة والرأفة بالجُند
د ـ الأصالة والسابقة الحسنة
هـ ـ تفقُّد المجاهدين
و ـ أنْ يكون نصوحاً حليماً طاهراً.

ـ من صفات المقاتل:

أ ـ التوكّل على الله
ب ـ الطاعة للقائد
ج ـ الاندفاع وعدم التقاعس
د ـ الإيمان بالهدف.

أســــــئـلـــة

1 - تحدّث عن معالم الفكر الجهاديّ للإمام عليّ عليه السلام؟

2 - أذكر بعضاً من شروط الجهاد؟

3 - ما هي صفات وخصائص القائد الجهاديّ؟

4- أذكر بعضاً من صفات المقاتل.

104

هوامش

1- لسان العرب، ابن منظور، ج 3، ص 134، مادّة جهد، بيروت، دار الفكر، ومجمع البحرين، ج3، ص30.
2- جواهر الكلام، النجفي، ج 21، ص 3.
3- سورة الصف، الآيتان: 10 و 11.
4- سورة النساء، الآيتان: 95، 96.
5- الجُنّة: الوقاية.
6- نهج البلاغة، الخطبة 27.
7- نهج البلاغة، ج4، ص55.
8- شرح نهج البلاغة، ج19، ص 88.
9- وسائل الشيعة، الحر العاملي،ج 11, ص9، كتاب الجهاد.
10- أي زهداً فيه.
11- دُيِّث، من دَيَّثه، أي ذلّله.
12- القماءة، الصغار والذل.
13- أي ذهاب العقل.
14- أي صارت الدولة للحق بَدَلَه.
15- الخسف، هو الذل والمشقّة.
16- النصف، العدل.
17- نهج البلاغة، ج1، ص 68.
18- وسائل الشيعة، ج11, ص34, باب 2, ح 8.
19- نهج البلاغة، الحكمة 31.
20- م. ن، الحكمة 375.
21- م. ن، ج 1، ص 104.
22- م. ن، الكتاب 146.
23- نهج البلاغة، الرسالة 53.
24- وسائل الشيعة، ج 27، ص 30.
25- نهج البلاغة، الرسالة 38.
26- نهج البلاغة، ج 3، ص 14.
27- م. ن، ج3، ص 14.
28- م. ن.
29- م. ن.
30- م. ن.
31- أقصى الأضراس.
32- نهج البلاغة، الرسالة 38.
33- م. ن، الرسالة 5.
34- م. ن، الخطبة 34.
35- م. ن، الرسالة 53.
36- بحار الأنوار، ج، 97، ص 57، ح1.

يتبع

اخـــــــــــر مواضيعــــــــي






رد مع اقتباس Share with Facebook
   
   
قديم 03-20-2019, 11:02 PM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عضو حسيني
عضو مميز

إحصائية العضو






 

الشيخ عباس محمد غير متصل حالياً

 


كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : نهج البلاغة
افتراضي

الدرس الثامن: الحرب في نهج البلاغة


أهداف الدرس

1- أن يتعرّف الطالب إلى أهميّة تطهير الساحة الداخليّة من المشاكل.
2- أن يعرف الهدف من وراء الحرب والقتال.
3- أن يستظهر فنون الحرب.
4- أن يتبيّن أسباب النصر والهزيمة.

105

أيّهما أهم تطهير الداخل أم الفتوحات؟

عُرف عهد الخلفاء الّذين سبقوا الإمام عليه السلام في الحكم بعهد الفتوحات الإسلاميّة، بينما كانت فترة خلافة الإمام عليه السلام فترة حروب داخليّة وتطهير للبلاد من الناكثين والقاسطين والمارقين، فهل لهذا ميزة لغيره عليه؟

للإجابة نقول: إنّ الفتوحات ليست ضرورة من ضرورات وجود الدولة الإسلاميّة، بل هي تزيد في قوّتها وقدرتها، كما يقول المثل: زيادة الخير خير. أمّا إخماد نار الفتن الداخليّة فهو ضرورة هامّة يتوقّّف عليه بقاء الإسلام ودولته؛ لأنّ بقاء هذه الفتن إمّا أن يحرف الإسلام عن مساره الصحيح، أو يزرع العداوة والبغضاء في صفوف المسلمين، بحيث يُفني بعضهم بعضاً، فينعدم وجود الإسلام.

لهذا نرى الإمام علي عليه السلام توقّّف عن الفتوحات الخارجيّة في عهد خلافته، وآثر القضاء على المنحرفين والشاذّين، من الناكثين والقاسطين والمارقين.

فحارب طلحة والزبير اللذين نكثا البيعة بعد تأكيدها، وحارب معاوية وأتباعه دعاة الانقسام والانفصاليّة، ثُمَّ حارب الخوارج الّذين أعطوا الحقّ في تطبيق أحكام الإسلام لكلّ جماعة من الناس، دونما حاجة إلى رئيس يقود الناس، أو سلطة مركزيّة مسؤولة، بدعوى "لا حكم إلا لله".


107

والسؤال الّذي يُطرح على كلّ ذي لبّ، هو كيف يُمكن تطهير الخارج وتحريره إذا كان الداخل محْتلًّا ومتشتّتاً ومتفكّكاً، بسبب فتن هنا وأخرى هناك؟ خاصّة بعد إرث خطير ورثه أمير المؤمنين عليه السلام ممّن سبقه في قيادة المسلمين وساس الناس بسياسات ليست في محلّها، فقرّب البعيد وبعّد القريب، ما جعل جسم الدولة مريضاً، وبحاجة إلى كَيٍََّ ودواء، ولم يكن له غير الإمام عليّ عليه السلام معالجاً وطبيباً.

تفادي القتال وعدم البدء به

كان الإمام عليّ عليه السلام وهو الّذي لم ينهزم في معركة قطّ، لا يبدأ القتال حتّى يدعو خصومه إلى الحقّ، ويُقيم الحجّة عليهم، ويذكّرهم بآيات الله، فإن أبوا بعد ذلك، تباطأ عنهم حتّى يبدؤوه بالقتال. فعل ذلك مع أصحاب الجمل وأهل صفّين وأصحاب النهروان, رغبةً في إطفاء الفتنة وتجنّب الدماء وطلباً للهداية والألفة والسلام.

فمن كلام له عليه السلام وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفّين: "أمّا قولكم أكلّ ذلك كراهيّة الموت، فوالله ما أُبالي أدخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ. وأمّا قولكم شكّاً في أهل الشام، فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلّا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي1 ، وذلك أحبّ إليّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها"2.

وسبب هذا الكلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما ملك الماء على أصحاب معاوية بعد أن كانوا قد منعوه وأصحابه من الماء ساهمهم فيه رجاء أن يعطفوا إليه، ولزوماً للخُلُق وحسن السيرة، فقال له أصحابه: امنعهم الماء يا أمير

108

المؤمنين ، كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش ، وخذهم قبضاً بالأيدي فلا حاجة لك إلى الحرب. فقال عليه السلام: "لا والله ، لا أُكافئهم بمثل فِعلهم ، أفسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حدّ السيف ما يُغني عن ذلك"3. ولنعم ما قال الشاعر:

ملكنا فكان العفو منّا سجيّة فلمّا ملكتم سال بالدم أبطح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح

ومكث أيّاما لا يُرسل إلى معاوية ولا يأتيه منه شيء، واستبطأ الناس إذنه في قتال أهل الشام. واختلفوا في سبب التريّث فقال بعضهم كراهة الموت، وقال بعضهم الشكّ في جواز قتال أهل الشام، فأجابهم: أمّا الموت لم يكن ليبالى به، وأمّا الشك فلا موضع له، وإنّما يرجو بدفع الحرب أن يتجاوزوا إليه بلا قتال فإنّ ذلك أحبّ إليه من قتالهم وقتلهم، وإن كان الإثم عليهم.

تبرير قتال المنحرفين

يقول عليه السلام: "ولقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه. وقلّبت ظهره وبطنه، فلم أر لي إلّا القتال أو الكفر (بما جاء به محمّد صلى الله عليه وآله وسلم)"4.

إنّ السبب الواضح الّذي على أساسه يتوجّه الإمام عليه السلام في تحرّكاته وسكناته، هو رضى الله عزّ وجلّ وطلب الحقّ، فهو لا يتحرّك لأجل باطل أو ظلم، بل لمحو الباطل ودفع الظلم.

ولذلك لمّا رأى أمير المؤمنين عليه السلام من هؤلاء الغدر والخيانة، والانقلاب على الإسلام وعلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومخالفة القرآن وإماتة السنّة وإحياء البدعة، قام عليه السلام لمواجهتهم وحربهم، بعد أن أعذر بالنصح لهم وآيس من هدايتهم.

109

فنون الحرب في نهج البلاغة

علوم الحرب وفنونها وأساليبها من الأمور الّتي ينبغي أنْ تكون ضمن أولويّات اهتمام القائد والمقاتل، فللحرب قوانين وأساليب ينبغي الالتفات إليها لضمان عوامل النصر.

والإمام عليّ عليه السلام صاحب الخبرة الواسعة في ميادين القتال، والحكيم في إدارة شؤونها، قدّم لنا زاداً كاملاً في هذا المجال، نلمسه من خلال تسليط الضوء على بعض المعطيات الّتي عاشها الإمام عليّ عليه السلام كقائد عسكريّ وهي:

أ - تشكيل القوّات المسلّحة وأهدافها:

فقد سعى الإمام عليّ عليه السلام منذ تولّيه الحكم إلى تنظيم القوّات المسلّحة للدولة الإسلاميّة، وتشكيل قوّة ضاربة تتصدّى للظلم والتعدّي، وتحول دون الطغاة وجورهم.

وكانت هذه البادرة خطوة مهمّة منه، بعد أنْ عاش جزء كبير من المسلمين فترةً من الرخاء والتقاعد والتقاعس عن القتال حيث اشتغلوا بأمورهم الدنيويّة، ونسوا أمر الجهاد في سبيل الله ونصرة الدِّين.

وشكّل الإمام عليه السلام قوّة مسلّحة خاصّة عُرِفت بـ"شرطة الخميس"، وذلك أثناء تسلّمه لزمام الحكم. والشرطة عبارة عن فئة من خيار أعوان الولاة تُجنّد للمحافظة على أمن الرعيّة. وهم يُشكّلون أوّل كتيبة تشهد الحرب وتتهيّأ للموت. وقيل في سبب تسميتهم بـ"الشرطة" أنّهم شرطوا مع الحكومة أن يكونوا مهيّئين للدفاع تجاه العدو، وقال ابن الأثير: يُقال لهذا الجيش "الخميس" لأنّه كان خمس

110

فرق، وهي المقدّمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة5.

ويستفاد من سيرة الإمام عليه السلام أنّ شرطة الخميس أوّل كتيبة مسلّحة تشهد الحرب وهم خيار جند السلطان ونخبة أصحابه، وهم أمراء الجيش6. وأمّا الأهداف والأسباب الّتي دفعت الإمام عليه السلام إلى تشكيل وتنظيم القوّات المسلّحة في الدولة الإسلاميّة فنبيّنها من خلال قوله عليه السلام: "فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعزّ الدين، وسُبُل الأمن، وليس تقدّم الرعية إلّا بهم"7.

ونستخلص من كلام الإمام عليه السلام هذا، عدّة دوافع لإنشاء الجيش، وهي:

1 - حماية الرسالة وتنامي قدرتها.
2 - حماية المسلمين وحراستهم.
3 - عون القائد ومرآة إدارته في البلاد.
4 - حراسة الدولة وضمان أمنها.

أسباب الهزيمة في المعركة

ومن خطبة له عليه السلام وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد، وقد قدم عليه عاملاه على اليمن وهما عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران لمّا غلب عليها بسر بن أبي أرطأة، فقام عليه السلام إلى المنبر، ضجِراً بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرأي، قائلاً: "أُنبئت بسراً قد اطّلع اليمن، وإنّي والله لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون8 منكم باجتماعهم

111

على باطلهم وتفرّقكم عن حقّكم. وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم. وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم. فلو ائتمنت أحدكم على قعب9 لخشيت أن يذهب بعِلَاقته 10"11.

يُروى أنّ معاوية سيّر بسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز بعسكر كثيف فأراق دماء غزيرة واستكره الناس على البيعة لمعاوية، ثُمَّ توجّه والياً على اليمن فتغلّب عليها وانتزعها من عبيد الله بن العباس وفرّ عبيد الله ناجياً من شرّه فأتى بِسرٌ بيته فوجد له ولدين صبيّين فذبحهما وباء بإثمهما.

وهذه صورة من صور الإجرام الأمويّ بحقّ الإسلام والمسلمين، ولمّا وصل عبيد الله إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأخبره بما جرى كانت منه هذه الكلمات، وقد ذكر فيها عليه السلام عدّة أسباب للهزيمة، وهي:

1 - اجتماعهم على باطلهم وتفرّقكم عن حقّكم: فمسألة اجتماع الأمّة تحت راية واحدة وعقيدة صادقة وتوجّه مستقيم لا زيغ فيه ولا انحراف، هو طريق النصر. والتخاذل عن ذلك سبب أساس في الهزيمة، والمسألة تقع في الاجتماع والفرقة، فحتّى لو اجتمعوا على الباطل وكان المؤمنون مجتمعون على الحقّ قبالهم كان النصر للمؤمنين لا محالة، ولكن لو أنّ الحقّّ معنا ونحن متفرّقون عنه وأعداؤنا مجتمعون على باطلهم، فكيف يُمكن أن ننتصر؟

2 - وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ وطاعتهم إمامهم في الباطل: وهنا إشارة هامّة إلى ضرورة الالتزام بالتكليف الّذي يكون التخلّي والتخاذل فيه سبباً للهزيمة النكراء، وهذا ما يُثير العجب إذ كيف يجتمع أولئك على طاعة أمير

112

ظالم ويتفرّق من يدّعون الإيمان عن إمام الحقّ وخليفة المسلمين الشرعيّ، هذا التخلّف عن الطاعة لا شكّ أنّه سيشقّ عصا الأمّة وسيجعلها عرضة لكلّ طامع.

3 - وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم: وهذا يؤشّر إلى مشكلة تربويّة في هؤلاء، إذ حتّى الأمانة لا يحفظوها بحقّ إمامهم، فكيف لا تُنتهك أعراضهم وتُحتلّ أرضهم.

4 - وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم: إنّ كلّ دولة قويّة لا بُدَّ فيها من شعب واع ومنظّم ومنتظم ومستقيم لا يُخالف قوانين البلاد، ولا يُفسد فيها، فإن كان هذا الشعب فاسداً، مريضاً، ونظامه متهالكاً، كيف يُؤمل أن يكون النصر له على أعدائه؟! خاصّة إذا كان ذاك العدوّ يُحافظ على صلاح بلاده وعمرانها..

5- وفي خطبة الجهاد يقول عليه السلام: "أمّا بعد فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجُنّته الوثيقة. فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذلّ وشملَه البلاء..."12 .

فمن تركه رغبة عنه (أي الجهاد) ألبسه الله ثوب الذلّ: لا شكّ أنّ ترك الجهاد رغبة في الدنيا والبقاء فيها، سيكون سبباً في الضعف والضعة والاستكانة، ومعونةً للظالمين على ظلمهم، فالتارك للجهاد الواجب عليه المتخاذل عن نصرة الإسلام والمسلمين، سبب في الهزيمة والذلّ، لذلك يقول الإمام عليه السلام في نفس الخطبة: "فوالله ما غُزي قوم قطّ في عُقر دارهم إلّا ذلّوا".

6- يقول عليه السلام: "فإنّ الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلّا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"13 .

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فترك هذه الفريضة سبب في

113

اللعن والطرد من الرحمة الإلهيّة وسبب في الحرمان من العزّة والنصر، فمن أراد العزّة فللّه العزّة جميعاً، وهي لا تكون بدون التزامٍ بأوامر الله ونواهيه والدعوة إلى سبيله.

أسباب النصر

للنصر أسباب متعدّدة، وهي إضافة إلى ترك أسباب الهزيمة كثيرة، نذكر منها ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث يُشير إليها بالنقاط التالية:

1 - الاستعداد والجهوزيّة: يقول تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾14. ويقول عليه السلام: "فخذوا للحرب أهبّتها، وأعدّوا لها عدّتها. فقد شبّ لظاها وعلا سناها"15.

2 - الصبر: ويقول عليه السلام: "واستشعروا الصبر فإنّه أدعى إلى النصر"16، يقول تعالى ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ لا شكّ أن النصر من علائم البشرى، وهو إحدى الحسنَيين، فلا يكون إلّا بالصبر.

3 - الشجاعة والثبات: من كلام له عليه السلام لابنه محمّد بن الحنفيّة لمّا أعطاه الراية يوم الجمل، قال: "تزول الجبال ولا تزل. عضّ على ناجذك. أعر الله جمجمتك. تِدّ في الأرض قدمك17. إرم ببصرك أقصى القوم. وغضّ بصرك"18.

114

في كلّ هذه العبارات من الإمام عليه السلام إشارات لطيفة إلى عدّة أمور لا بُدَّ من توفّرها في المجاهد، أوّلها الثبات وقوّة العزم، وهي تظهر في المقاتل عندما يشتدّ غضبه على عدوّه فيعضّ على أضراسه، وثانيها أن يكون العمل لله وفي سبيله وتعبير الإمام عليه السلام غاية في الدقّة فهو قال أعر الله جمجمتك أي سلّم نفسك وروحك لله وكن طالباً للشهادة غير خائف ولا وجل من لهوات الحرب لأنّك لله وبالله تنتصر. أمّا قوله عليه السلام: "ارم ببصرك" وقوله: "غضّ بصرك"، لأنّه في الأولى أمره أن يفتح عينه ويرفع طرفه، ويُحدّق إلى أقاصي القوم ببصره، فعل الشجاع المقدام غير المكترث ولا المبالي، لأنّ الجبان تضعف نفسه ويخفق قلبه فيقصر بصره ولا يرتفع طرفه، ولا يمتدّ عنقه، ويكون ناكس الرأس، غضيض الطرف. وفي الثانية أمره أن يغضّ بصره عن بريق سيوفهم ولمعان دروعهم، لئلّا يبرق بصره، ويُدهش ويستشعر خوفاً.

4- النصر من الله: يقول عليه السلام لابنه محمّد: "واعلم أنّ النصر من عند الله سبحانه"19 ، يقول تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾20 و ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾21 ، وغير ذلك من الآيات يُشير إلى أنّ النصر من الله والعزّة من الله، ومن نصر الله تعالى فلا شكّ أنّ الله ناصره ومثبّته ومعينه.

5- عدم الخوف من الموت والقتل: من وصايا الإمام عليه السلام في بعض أيّام صفّين للمقاتلين معه يحثّهم على المشي إلى الموت وعدم الفرار من الزحف رغبة في الحياة، يقول عليه السلام: "وطيبوا عن أنفسكم نفساً،

115

وامشوا إلى الموت مشياً سجحاً22 "23 ، ويقول عليه السلام: " إنّ الموت طالبٌ حثيث لا يفوته المقيم ولا يُعجزه الهارب. إنّ أكرم الموت القتل. والّذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون عَليّ من ميتة على الفراش"24.

6- معونة الإخوان في المعركة: يقول عليه السلام: " أيّ امرئ منكم أحسّ من نفسه رباطة جأش عند اللقاء، ورأى من أحد من إخوانه فشلاً فليذبّ عن أخيه بفضل نجدته الّتي فُضّل بها عليه كما يذبّ عن نفسه. فلو شاء الله لجعله مثله"25.

التحرّكات القتاليّة

يقول عليه السلام في توجيهاته لقادة جيشه: "فإذا نزلتم بعدوٍّ أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبيل الأشراف أو سفاح الجبال26 ، أو أثناء النهار كيما يكون لكم ردءاً ودونكم مردّاً. ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين، واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال27 ومناكب الهضاب, لئلّا يأتيكم العدّو من مكان مخافة أو أمن. واعلموا أنّ مقدّمة القوم عيونهم، وعيون المقدّمة طلائعهم. وإيّاكم والتفرّق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً، ولا تذوقوا النوم إلّا غِراراً أو مضمضة"28.

يتحدّث الإمام عليه السلام في هذا التوجيه عن مكان المعركة واستقرار الجيش

116

حيث لهذا المكان خواصّ لا بُدَّ من توافرها، من حيث تأمين ظهر الجيش بالجبال، واستقراره نهاراً بحيث يتمّ التأكّد من خلوّ المكان من الكمائن المعادية، ثُمَّ يتعرّض عليه السلام لناحية تكتيكيّة مهمّة في المعركة، حيث يكون القتال من جهة واحدة أو جهتين بحسب طبيعة المعركة لا من جميع الجهات كيما يُصيب الجند بعضهم البعض بنبالهم، على أنّ ظروف المعارك قد اختلفت في هذا الزمان ويبقى تشخيص الأمر للقائد الماهر.

ويذكر الإمام عليه السلام فئة مهمّة في الجيش وهي الاستطلاع، حيث لا بُدَّ من تواجدهم في النقاط المشرفة على المعركة كي لا يغدر العدوّ بالمقاتلين، كما ويذكر مسألة النوم والاحتياطات المتعلّقة بها ويقول عليه السلام: "إنّ أخا الحرب الأرق، ومن نام لم يُنم عنه"29 ، ووحدة الجند وعدم تفرّقهم، وهي كلّها مسائل لا بُدَّ من رعايتها.

خلاصة الدرس

إنّ إخماد نار الفتن الداخليّة ضرورة هامّة يتوقّّف عليه وجود الإسلام ودولته.

كان الإمام عليّ عليه السلام وهو الّذي لم ينهزم في معركة قطّ، لا يبدأ خصومه بالقتال حتّى يدعوهم إلى الحقّ، والسبب الواضح الّذي على أساسه يتوجّه الإمام عليه السلام في تحرّكاته وسكناته، هو رضى الله عزّ وجلّ.

هناك عدّة أسباب ذكرها الإمام عليه السلام هي عوامل للهزيمة، ويُقابلها أسباب للنصر لا بُدَّ من الأخذ بها للفوز بالمعركة أمام العدّو كالاستعداد والجهوزيّة، والصبر، والشجاعة والثبات، وغيرها..

117

كما لم يغفل الإمام عن إيضاح بعض من المبادئ القتاليّة الّتي لا بُدَّ من مراعاتها في المعركة، كإرسال العيون وتأمين ظهر الجيش..

أســــــئـلـــة

1 - أيّهما أهم تطهير الداخل أم الفتوحات الخارجيّة؟
2 - عدّد أسباب الهزيمة وأسباب النصر.
3 - اذكر بعض التحرّكات القتاليّة.

118

هوامش

1- تعشو إلى ضوئه: تستدل عليه وإن كان ببصر ضعيف في ظلام الفتن فتهتدي إليه.
2- نهج البلاغة، ج1، ص104.
3- شرح نهج البلاغة، بن أبي الحديد، ج1، ص24.
4- نهج البلاغة، ج1، ص94.
5- البداية والنهاية، ابن الأثير، ج 2، ص 79.
6- شرح أصول الكافي، المازندراني، ج 6، ص 286.
7- نهج البلاغة، الرسالة 53.
8- أي ستكون لهم الدولة بدلكم.
9- قدح.
10- أي ما يُعلّق به.
11- نهج البلاغة, ج 1, ص 63- 66.
12- نهج البلاغة, ج 1, ص 67- 68.
13- م. ن, ج 2, ص 155- 156.
14- سورة الأنفال، الآية: 60.
15- نهج البلاغة, ج 1, ص 67.
16- م. ن.
17- أي كن ثابتاً لا تتزحزح.
18- م. ن, ج 1, ص 43- 44.
19- نهج البلاغة, ج 1, ص 104.
20- سورة محمد، الآية: 7.
21- سورة البقرة، الآية: 249.
22- أي سهلاً.
23- نهج البلاغة, ج 1, ص 114- 115.
24- م. ن, ج 2, ص 2.
25- م. ن, ج 2, ص 2.
26- أي قدّام الجبال وأسفلها.
27- أعاليها.
28- م، ن, ج 3, ص 12.
29- نهج البلاغة، الرسالة 62.

يتبع

اخـــــــــــر مواضيعــــــــي






رد مع اقتباس Share with Facebook
   
   
قديم 03-20-2019, 11:02 PM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
عضو حسيني
عضو مميز

إحصائية العضو






 

الشيخ عباس محمد غير متصل حالياً

 


كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : نهج البلاغة
افتراضي

الدرس التاسع: العبادة هدف الخلق


أهداف الدرس

1- أنْ يتعرَّف الطالب إلى أهميّة العبادة وكونها هدف خلق الإنسان.
2- أنْ يتعرَّف إلى العبادة- من خلال نهج البلاغة - آثارها وأقسامها ومراتبها.

119

تمهيد

العبادة هي تلك الحالة الّتي يتوجّه فيها الإنسان باطنيّاً نحو الحقيقة المطلقة، والقوّة المُبدِعة الّتي أوجدته وأبدعته، بحيث يرى نفسه في قبضة قدرتها وملكوتها، ويشعر بأنّه محتاج إليها في كلّ زمان ومكان. فهي في الواقع سير الإنسان من الخلق إلى الخالق ليُجسِّد من خلالها أعظم لون من ألوان العلاقة المُظهِرة للخضوع والشكر للبارئ الخالق المصوِّر.

هذا اللون من الارتباط الّذي لا يستطيع الإنسان أنْ يُقيمه إلّا مع ربّه وخالقه أكّد عليه القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته؛ حيث اعتبر أنّ العبادة والخضوع لا يجوز أنْ يكونا لغير الله تعالى، ونهى عن عبادة غيره، ولا يوجد ذنب أعظم من الشرك بالله.

قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ﴾1.

وفي إحدى وصاياه يقول الإمام عليّ عليه السلام: "فاعتصم بالّذي خلقك ورزقك وسوّاك، وليكن له تعبُّدك، وإليه رغبتك، ومنه شفقتك، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً"2.

121

ويكفي في بيان عظمة العبادة وجليل آثارها وخصائصها في حياة البشر أنّ الله تعالى جعلها الغاية الكبرى من خلقهم وإيجادهم حيث قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾3.

والله تبارك وتعالى غنيّ عن العالمين، ولا تنفعه طاعة المطيعين وعبادتهم، ولا تضرّه معصية العصاة وتمرّدهم، وإنّما فرض عبادته على الناس لينتفعوا بخصائصها وآثارها الموجبة لتكاملهم وسعادتهم.

وهذه الحقيقة الهامّة عبّر عنها الإمام عليه السلام في وصفه للمتّقين بقوله: "فإنّ الله سبحانه وتعالى خلق الخلقَ حين خلقَهُم غنيّاً عن طاعتهم، آمناً من معصيتهم، لأنّه لا تضرّه معصيةُ من عصاه، ولا تنفعه طاعةُ من أطاعه.."4.

حقيقة العبادة

تُعتبر العبادة في الإسلام من المظاهر الأساس لإبراز الخضوع لله تبارك وتعالى، ولهذا اقترنت رسالات الأنبياء عليهم السلام بالدعوة إلى الله تعالى وعبادته. ومظهر العبادة وحقيقتها يتجلّى في الإنسان الّذي يتوجّه إلى الله بعبادته إذ لا يرجو غيره، ويدعوه ولا يدعو غيره, ويطيعه ولا يعصيه كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "العبادة الخالصة أن لا يرجو الرجل إلّا ربّه ولا يخاف إلّا ذنبه"5.

وهذا يعني أنّ العبادة ليست مجرّد سلسلة من المراسيم والطقوس والتقاليد والعادات والآداب المنفصلة عن حركة الإنسان في الحياة.

122

فمقياس العبادة وميزانها ليس فقط بأداء المناسك وترديد بعض الأذكار، بل هي في انعكاس هذه الأعمال على سلوك الإنسان ليجلو قلبه، ويصفو ويطهر.

فالصلاة مثلاً الّتي هي أحد أبرز مظاهر العبادة والعلاقة بالله تعالى إذا لم تنهَ عن الفحشاء والمنكر، وإذا لم تَحمِل الإنسان على صدقِ الحديث وأداء الأمانة تفقد قدسيّتها وثوابها، بل إنّها تتحوّل إلى كذبٍ على الله تعالى.

ولهذا اعتبر الإسلام كلّ عمل يقوم به الإنسان بدافعٍ من أمرِ الله عبادةً، ومن ذلك طلب العلم والكسب الحلال وخدمة الناس. ومع ذلك فقد شرّع تعاليم خاصّة للعبادة بالمعنى الأخصّ كالصلاة والصوم والحجّ.

العبادة في نهج البلاغة

يقول الشهيد المطهّري في مقاربته لحقيقة العبادة في نهج البلاغة: "إنّ صورة العبادة في نهج البلاغة من نوع عبادة العارفين بالله تعالى، بل نقول: إنّ منبع الإلهام لتصوّر العارفين بالله من العبادة في الإسلام - بعد القرآن الكريم وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - هو كلام الإمام عليه السلام"6. فالإمام عليّ عليه السلام إمام العارفين والسالكين الّذي تذوّق طعم العبادة وحلاوتها، ومارسها بأبهى صورها، وكان مثالاً يُحتذى به في عبادته لربّه. اعتبر في النصوص الواردة عنه حول العبادة أنّها عالمٌ آخر مليء باللذّات الروحيّة، وأنّ العبادة الحقّة هي نوع من الانتقال من هذا العالم المادّيّ إلى عالَم آخر مليء بالحركة والنشاط والخواطر القلبيّة واللذّات الروحيّة. وقد جاء في نهج البلاغة صورٌ كثيرة عن أهل العبادة. عن سهر لياليهم، وعن خوفهم وخشيتهم، وعن شوقهم ولذّتهم، وعن حرقتهم والتهابهم، وعن أنّاتهم وآهاتهم، وعن زفراتهم وحسراتهم، كما

123

جاء في النهج شرح لبعض نتائج العبادة، ومنها تلك العنايات الإلهيّة الغيبيّة الّتي يحصلون عليها بالمراقبة وجهاد النفس، وتلك الآثار الحميدة في طرد الذنوب وأدرانها، وفي علاج الأمراض النفسيّة والخُلقيّة.

يقول عليه السلام: "فاتّقوا الله عباد الله، تقيّة ذي لُبٍّ، شَغَل التفكُّرُ قلبَهُ، وأنصَبَ الخوفُ بدَنَهُ، وأسهَرَ التهجُّدُ غِرار نومه، وأظمأَ الرجاءُ هوَاجِرَ يومِهِ، وَظَلفَ الزهدُ شهواتِهِ، وأوجَفَ الذِّكْرُ بلسانه، وقَدَّم الخَوْفَ لأمانِهِ"7.

وصف عبادة الإمام عليه السلام

لقد كانت العبادة بالنسبة للإمام عليّ عليه السلام المنطلق الأساس لكلّ ما قام به وجاهد من أجله، ففي الوقت الّذي كان فيه أوّل المسلمين والمجاهدين، نراه - كما وصفه أحد أصحابه واسمه ضرار بن ضمرة الضبابيّ عند دخوله على معاوية ومسألته له عن أمير المؤمنين، قال: "فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وهو قائم في محرابه قابض على لحيته، يتململ تململ السليم8 ، ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا يا دنيا إليك عنّي، أبي تعرضت، أم إليّ تشوّقت: لا حان حينك هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلّة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر، وعظيم المورد"9.

ويقول شارح النهج ابن أبي الحديد المعتزليّ في وصفه لعبادة الإمام عليّ عليه السلام: "وأمّا العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد، وقيام النافلة. وما ظنُّكَ

124

برجلٍ يبلغ في محافظته على وردِهِ أنْ يُبْسَط له نِطعٌ10 بين الصفّين ليلة الهرير؟ وما ظنُّكَ برجلٍ كانت جبهته كثفنةِ البعير لطول سجوده؟ وأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيمٍ لله سبحانه وإجلاله وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزّته، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص، وفهمت من أيّ قلبٍ خرجت، وعلى أيّ لسانٍ جرت.."11.

وقد أخرج الإمام عليّ عليه السلام مفهوم العبادة من الإطار الضيّق ليشمل كثيراً من جوانب الحياة وتصرّفات الإنسان، ومن ذلك ما ورد عنه عليه السلام:

"من قضى حقّ من لا يُقضى حقّه فقد عَبَدَهُ"12.

و"من لم يختلف سرّه وعلانيته وفعله ومقالته فقد أدّى الأمانة وأخلص العبادة"13.

وفي نصوصٍ كثيرة نجد أنّه عليه السلام يُشير إلى أنّ نِعمَ العبادة التفكُّر في آلاء الله يقول عليه السلام: "التفكّر في آلاء الله نعم العبادة" ، وكذلك التفكّر في صُنعِ الله تعالى، وأنّ من العبادة لين الكلام وإفشاء السلام.. إلى غير ذلك من النصوص الواردة في نهج البلاغة الّتي تُوسِّع معنى العبادة ولا تحصرها في تلك العبارات، بل في كُلِّ فعلٍ أخلاقيّ، وكلِّ عملٍ صالح، وكلِّ قولٍ فيه رضى لله تعالى.

125

آثار العبادة في نهج البلاغة

أولاً: نور القلب وصفاؤه

إنّ واحدةً من أبرز وأهمّ آثار العبادة هي تلك النورانيّة الّتي تحصل للقلب، والصفاء والخضوع والتذلُّل الّذي يعيشه المتعبّد تجاه الله تعالى. ويُبصر عبره بقلبه فضلاً عن بصره. وعن التأثير الخاصّ للعبادة على القلب يقول عليه السلام:

"إنّ الله تعالى جعل الذكر جلاءً للقلوب، تسمعُ به بعد الوَقْرَةِ وتُبصِرُ به بعد العَشوَةِ 14وتنقادُ به بعد المُعانَدَةِ، وما برِحَ لله ـ عزّت آلاؤهُ ـ في البُرهة بعد البُرهة وفي أزمان الفترات عبادٌ ناجاهم في فكرهم وكلّمَهُم في ذات عقولهم فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة"15.

يقول الشهيد مطهّريّ تعليقاً على هذا النص العلويّ:

"وقد بيّن الإمام عليه السلام في هذا الكلام الأثر الغريب لذكر الله في القلوب، حتّى إنّها قد تستعدّ بذلك لتلقّي الإلهام من الله سبحانه والكلام معه"16.

وأيضاً فإنّ للعبادة أثراً في الترقّي بالإنسان نحو الكمال، والانتقال إلى حالات ومقامات معنويّة خاصّة كما يقول عليه السلام:

"قد حفَّت بهم الملائكة وتنزَّلت عليهم السكينةُ، وفُتِحت لهم أبوابُ السماء، وأُعِدَّت لهم مقاعدُ الكرامات، في مقامٍ اطّلع الله عليهم فيه فَرَضِيَ سعيهم، وحَمِدَ مقامَهُم، يَتَنَسَّمون بدُعائِهِ روح التجاوز"17.

وإنّ من أهمّ موجبات جلاء القلب وصفاء النفس وتطهير الروح ذكر الله

126

تعالى، لأنّ المداومة على ذكر الله تجعل العبد يُدرك أنّه مُراقَب دائماً من الله، يسمعه ويراه. ولهذا يوصي عليه السلام: "أفيضوا في ذكر الله، فإنّه أحسن الذّكر. وارغبوا فيما وعد المتّقين.."18.

ثانياً: الأُنس بالله، والّلذة في الحياة

عالَم العبادة في منظور الإمام عليّ عليه السلام وفقاً لنصوصه في نهج البلاغة هو عالَم آخر يختلف عن عالمنا. ودنيا العبادة ليست كالدنيا الّتي نعيش فيها، وموجبات السعادة فيها وكذلك موجبات الأُنس واللذّة فيها ليست هي نفسها في هذا العالم المادّيّ.

فالملذّات الدنيويّة هي تلك الأمور المادّيّة الّتي يحصل عليها الإنسان، أمّا الملذّات في دنيا العبادة فهي عبارة عن تحصيل وسائل القرب الإلهيّ، والسير والسفر إلى الله تعالى، وهو ليس سفراً ماديّاً كالسفر في الدنيا إلى العراق أو الشامّ أو... بل سفر في عالم روحانيّ يُضيء للإنسان طريقه إلى الهداية وإلى الصراط المستقيم.

فالعابد في سيره الروحيّ همّه رضى الله تعالى والفوز به، فإذا ما حصل له ذلك كان في أرقى حالات السعادة في دنياه. يقول الإمام عليه السلام:

"طوبى لنفسٍ أدّت إلى ربِّها فَرْضَها، وعَرَكَت بجَنْبها بُؤسَها، وهَجَرَت في الليل غُمْضَها، حتّى إذا غَلَبَ الكَرى عليها افتَرَشَت أرضَها وتوسَّدت كَفَّها، في مَعْشرٍ أسهَرَ عُيُونَهم خوفُ معَادِهِم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبُهُم، وهمهمت بذكر ربِّهم شِفاهُهُم، وتقشَّعَت بطول استغفارهم ذنُوبُهم، أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون"19.

127

وفي موضعٍ آخر يعتبر الإمام عليه السلام أنّ الذكر لله تعالى هو العِوض لأهله عن كلّ ملذّات الدنيا، وذلك للشعور الخاص الّذي يكتنفهم من هذه العبادة، يقول عليه السلام: "وإنّ للذكر لأهلاً أخذوه من الدنيا بدلاً"20.

ولكي يُحافظ الإنسان على هذه اللذّة والأُنس من العبادة لا بُدَّ من الالتفات إلى ضرورة التوازن بين إقبال النفس عليها وعشقها لها في بعض الأوقات، وعدم رغبتها في العبادة في حالات معيّنة، ولذا يقول عليه السلام: "وخادع نفسك في العبادة وارفُق بها ولا تقهرْها وخُذْ عَفْوها ونشاطَها، إلّا ما كانَ مكتوباً عليك من الفريضة، فإنّه لا بُدَّ من قضائِها وتعاهُدِها عِند مَحَلِّها"21.

ويقول عليه السلام: "إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل وإذا أدبرت فاقتصِروا بها على الفرائض"22.

ثالثاً: غفران الذنوب

إنّ للعبادة وذكر الله أثراً في تربية الوجدان الدينيّ للإنسان، فتكثر فيه الرغبة إلى الخيرات والعمل الصالح، وتقلُّ فيه الرغبة إلى الشرّ والفساد والذنوب. بينما نرى أنّ للذنوب أثراً مظلماً على القلب، تقلّ فيه معها رغبة المذنب إلى الخيرات والأعمال الصالحات، وتكثر فيه الرغبة إلى الذنوب. فتكون وظيفة العبادة إزالة الظلمات والكدورات الناتجة عن الذنوب وتبديلها إلى الخير والبرّ والعمل الصالح، لذلك قال سبحانه عن الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾23.

وعن هذا الأثر العظيم للعبادات فإنّ الإمام عليه السلام وفي خطبة له في الصلاة

128

وأداء الأمانة، يقول بعد تأكيده الشديد على الصلاة: "وإنّها لتحتُّ الذنوب، وتُطلِقُها إِطلاقَ الرِّبَقِ. وشبَّهها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحِمَّة24 تكون على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرّات، فما عسى أن يبقى عليه من الدَّرَن؟!.."25.

رابعاً: التحلّي بالأخلاق الفاضلة

إنّ للعبادة انعكاساً هامّاً على سلوكيّات الإنسان حيث تكون باعثاً ومحرِّكاً للإنسان نحو التسامي والتحلِّي بالأخلاق الفاضلة. وما لم يكن هذا الأثر موجوداً لدى العابد فإنّ عبادته تكون خالية من مضمونها الّذي أراده الله تعالى.

فالعبادة تدفع بالإنسان نحو العدل والإحسان واحترام الآخرين، وتردعه عن الغيبة والظلم والتكبّر وقطع الرحم.. يقول عليه السلام:

"وعن ذلك ما حَرَس الله عبادَهُ المؤمنين بالصلاة والزكوات، ومُجاهدة الصِّيام في الأيّام المفروضات، تسكيناً لأطرافِهم، وتخشيعاً لأبصارهم، وتذليلاً لنفوسهم، وتخفيضاً لقلوبهم، وإذهاباً للِخُيلاء عنهم. ولما في ذلك من تعفير عِتَاقِ الوجوه بالتراب تواضعاً، والتصاق كرائِم الجوارح بالأرض تصاغراً، ولُحُوق البطون بالمُتُون من الصيام تَذلُّلاً.."26.

أقسام العبادة ومراتبها

في نظر الإمام عليّ عليه السلام أنّ لكلّ عبادة روحاً ومضموناً وكذلك صورة ظاهريّة. وهذا ما يجعل لها أقساماً ومراتب. فالعبادة هي علاقة العبد بربِّه. والناس لا يستوون في فهم هذه العلاقة، فمنهم من يأتي بها بروحها ومضمونها،

129

ومنهم من يكتفي بظاهرها وصورتها. لذلك قسَّم الإمام عليّ عليه السلام الناس من حيث عبادتهم إلى ثلاثة أنواع:

1 - الّذين يعتبرون العبادة سلعة يطلبون العِوَض والثمن والربح، وهذه عبادة التجّار.

2 - الّذين يقومون بالعبادة منفّذين لأوامر الله، خوفاً ممّا يترتّب على مخالفتها من جزاء وعقاب، وهذه عبادة العبيد.

3 - الّذين يعبدون الله لمعرفتهم إيّاه وتقديرهم لعظمته، وأنّه أهل للعبادة، سواءأثاب أم لا، وعاقب على تركها أم لا، وهذه عبادة الأحرار. وهي درجة العارف بالله، الّذي يتّخذ العبادة معراجاً إلى ذات الله. وفي هذه الدرجة تكون العبادة تربية روحيّة ورياضة للقوى الإنسانيّة، وحالة إشراقيّة لانتصار الروح على البدن، وتعالياً عن المادّة، وصعوداً إلى مشارق أنوار الوجود. وفي بيانه لمراتب العبادة يقول الإمام عليّ عليه السلام:

"إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار. وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد. وإنّ قوماً عبدوا الله شُكراً فتلك عبادة الأحرار"27.

وفي نصٍٍّ آخر بنفس المضمون يقول عليه السلام: "إلهي ما عبدتُك خوفاً من نارك ولا طَمَعاً في جنّتك، ولكنْ وجدتك أهلاً للعبادة فعبَدتُك"28.

كانت هذه إطلالة موجزة على عالم العبادة في نهج البلاغة، وما هي إلّا غيض من فيض أمام ما قدّمه أمير المؤمنين عليه السلام عن هذا العالم الكبير في نهجه العظيم.

130

خلاصة الدرس

ـ هدف خلق الإنسان العبادة الّتي تعني الطاعة للخالق؛ لا الرسوم والطقوس الظاهريّة فحسب.

ـ العبادة ـ في نهج البلاغة ـ أشمل من العبادة المعهودة, فالتفكُّر ولين الكلام وإفشاء السلام وما شابه كلّه يدخل تحت مفهوم العبادة.

ـ من آثار العبادة:

1 ـ نور القلب وصفاءه.
2 ـ الأنس بالله والّلذة في الحياة.
3 ـ غفران الذنوب.
4 ـ التحلّي بالأخلاق الفاضلة.

ـ أقسام العبادة ومراتبها ثلاثة:

1 ـ عبادة التجار 2 ـ عبادة العبيد 3 ـ عبادة الأحرار.

أســــــئـلـــة

1 - تحدّث بالتفصيل عن آثار العبادة في نهج البلاغة.

2 - ما هو هدف الوجود البشريّ على هذه الأرض؟

3 - بيّن أقسام العبادة ومراتبها.سورة الأعراف، الآية: 59.

131

هوامش

1- نهج البلاغة، الرسالة 31.
2- سورة الذاريات، الآيات، 56- 58، وهنا نشير إلى أنّ الهدف من الحياة هو العبادة كما هو مضمون الآية الكريمة, ثمّ إنّ للعبادة مراتب أعلاها اليقين، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
3- نهج البلاغة، الخطبة 191.
4- ميزان الحكمة، الريشهري، ج 1، ص 758.
5- في رحاب نهج البلاغة، مرتضى المطهري، ص 65، الدار الإسلاميّة، بيروت، ط1، 1431هـ, 1992 م.
6- نهج البلاغة، الخطبة 81.
7- أي الملسوع.
8- نهج البلاغة, ج4، ص16 ـ 17.
9- بساط من جلد.
10- شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد، ج1، ص27.
11- نهج البلاغة، الحكمة 164.
12- م. ن، الكتاب 26.
13- مستدرك الوسائل، الميرزا النوريّ، ج11، ص185.
14- الوقرة ثقلٌ في السمع والعشوة ضعف البصر.
15-نهج البلاغة، الخطبة 222.
16- في رحاب نهج البلاغة، ص 67.
17- نهج البلاغة، الخطبة 222.
18- نهج البلاغة، الخطبة 108.
19- م. ن، الخطبة 45.
20- م. ن، الخطبة 222.
21- نهج البلاغة، الرسالة 69.
22- م. ن، الحكمة 312.
23- سورة العنكبوت، الآية: 45.
24- النبعة الحارة، أو الحمئة.
25- نهج البلاغة، الخطبة 197.
26- م. ن، الخطبة 190.
27- نهج البلاغة، الحكمة 237.
28- بحار الأنوار، المجلسيّ، ج 41، ص 14.

يتبع

اخـــــــــــر مواضيعــــــــي






رد مع اقتباس Share with Facebook
   
   
قديم 03-20-2019, 11:03 PM رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
عضو حسيني
عضو مميز

إحصائية العضو






 

الشيخ عباس محمد غير متصل حالياً

 


كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : نهج البلاغة
افتراضي

الدرس العاشر: القرآن في نهج البلاغة


أهداف الدرس

1- أنْ يتعرّف الطالب إلى مقام القرآن.
2- أنْ يتبيّن العلاقة الخاصّة بين القرآن وأهل البيت عليهم السلام.
3- أنْ يتبيّن صفة القرآن وأنَّه أحسن الحديث.
4- أنْ يتعرّف إلى صفات المتّقين وعلاقتهم بالقرآن.

133

تمهيد

النور والفرقان والكتاب المبين وغيرها هي أسماء للقرآن في القرآن، القرآن الّذي هو بحر لا ينزف ومعينٌ لا ينضب وكلّ لا يتجزّأ، وجميع لا يتفرّق؛ يُشكّل بمجموعه الكتاب المبين الّذي يمثّل ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾.

من هنا شكّل القرآن بستاناً لكلّ متذوّق في العلوم وطالب للمعالي، فنرى بعضا من هؤلاء استفاد منه في تفسير ظواهر كونيّة وآخر في بيان خصائص غذائيّة، وآخر في معرفة أخبار تاريخيّة غير محرّّفة، وهكذا..

فلكلّ متفنّن متقنٍ في العلوم نبعٌ اسمه القرآن ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ و﴿شِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ و ﴿مَوْعِظَةً﴾.

وللقرآن عِدلٌ ما فارقوه وما فارقهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض"1. والعترة متمثِّلة بأئمّة الهدى وأساطين الحقّ وأنوار الصدق أوّلهم سيف الإسلام وأسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام الّذي نرى في كلماته إشراقات إلهيّة تُبيّن لنا ما في القرآن من خزائن ولطائف ما

135

كان ليطّلع عليها إلا شخص ارتبط بالوحي وتنسّم ريح النبوّة، وإلى بعض هذه الإشراقات سنُشير في فقرات درسنا التالية.

أهل البيت عليهم السلام عِدل القرآن

يقول أمير المؤمنين عليه السلام عن أهل بيت النبوّة عليهم السلام:"فيهم كرائم القرآن، وهم كنوز الرحمن. إن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يُسبقوا"2.

إنّ حديث الثقلين وغيره من الأحاديث والروايات الشريفة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعترة عليهم السلام، تؤكّد على خاصيّة الرابط بين القرآن وأهل البيت عليهم السلام، وخصوصيّة هذه العلاقة.

وإلى هذا الأمر يُشير أمير المؤمنين عليه السلام في حديثه، فأهل البيت عليهم السلام فيهم كرائم القرآن، يعني هم خير القرآن وبركة القرآن ورحمة القرآن وفضل القرآن، كلّ ذلك فيهم وبهم ويجري على أيديهم سلام الله عليهم، وما ذلك على الله عزّ وجلّ بعزيز فهم كنوز رحمته في عباده، وحجّته عليهم، وبركته فيهم، وبدونهم لا يُعرف الإسلام ولا يُعرف القرآن.

وفي الزيارة الجامعة، نقرأ:

"أنتم الصراط الأقوم ، وشهداء دار الفناء ، وشفعاء دار البقاء ، والرحمة الموصولة ، والأمانة المحفوظة ، والباب المبتلى به الناس ، من أتاكم نجى ، ومن لم يأتكم هلك، إلى الله تدعون، وعليه تدلّون، وبه تؤمنون، وله تُسلمون، وبأمره تعملون، وإلى سبيله ترشدون، وبقوله تحكمون".

نحن في صلواتنا اليوميّة نقرأ عشر مرّات ﴿اهدِنــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ فهل هذا الصراط غير صراط محمّد وآل محمّد؟ صراط الله والأنبياء والصادقين

136

والمخلصين.. وبالتالي فمن دلّ على الله وأرشد إلى سبيله، دلّ على القرآن وأرشد إلى هديه.

فأهل البيت عليهم السلام كرائم القرآن وكنوز الرحمن، هم عدل القرآن، حيث إنّ القرآن فيه محكم ومتشابه، فلا بُدَّ من عالم فيه؛ يبيّن محكمه ومتشابهه، يقول تعالى:﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾3.

ثمّ إنّه تعالى قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ 4 وقد عُلم أنّ أهل البيت هم من المطهّرين الّذين أذهب الله عنهم الرجس يقول عزّ وجلّ:﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ 5.

فإن كان أحد من الخلق قد أُعطي المعرفة بالقرآن، فأهل البيت عليهم السلام أوّلهم , بتطهير الله لهم وكرامتهم عنده، على أنّ هذا العلم علم إلهيّ يجوز أن يُخفيه الله ويُظهره أنّا شاء.

عن بريد بن معاوية6 ، عن أحدهما عليهما السلام في قوله الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ 7 "فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الراسخين في العلم، قد علّمه الله عزّ وجلّ جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلّمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه، والّذين لا يعلمون تأويله(أي المؤمنون) إذا قال العالم فيهم بعلم،

137

فأجابهم الله بقوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾8 والقرآن خاصّ وعامّ ومحكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، فالراسخون في العلم يعلمونه"9.

على أنّ الأحاديث في ذلك كثيرة فليراجع الجزء الثاني من كتاب الكافي للشيخ الكلينيّ (رض) لمزيد من الاطّلاع.

صفة القرآن

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في صفة القرآن: "ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ, نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ وَسِرَاجاً لَا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَبَحْراً لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ وَمِنْهَاجاً لَا يُضِلُّ نَهْجُهُ وَشُعَاعاً لَا يُظْلِمُ ضَوْءُهُ وَفُرْقَاناً لَا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَتِبْيَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَشِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَعِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَحَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ؛ فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وَبُحْبُوحَتُهُ وَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَبُحُورُهُ وَرِيَاضُ الْعَدْلِ وَغُدْرَانُهُ وَأَثَافِيُّ الْإِسْلَامِ وَبُنْيَانُهُ وَأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَغِيطَانُهُ، وَبَحْرٌ لَا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ وَعُيُونٌ لَا يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ وَمَنَاهِلُ لَا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ وَمَنَازِلُ لَا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ وَأَعْلَامٌ لَا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ وَآكَامٌ لَا يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ.

جَعَلَهُ اللهُ رِيّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَرَبِيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ ومَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَدَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ، وَنُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ وَحَبْلًا وَثِيقاً عُرْوَتُهُ وَمَعْقِلًا مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ، وَعِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَهُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ وَعُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ، وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَفَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ وَحَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ وَمَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَجُنَّةً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ وَعِلْماً لِمَنْ وَعَى وَحَدِيثاً لِمَنْ رَوَى، وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى"10.

يقول السيّد أبو القاسم الخوئي رحمه الله شارحاً لهذه الكلمات: وقد استعرَضت

138

هذه الخطبة الشريفة كثيراً من الأمور المهمّة التي يجب الوقوف عليها، والتدبّر في معانيها. فقوله:

"لا يخبو توقّده" خبت النار: خمد لهبها، يُريد بقوله هذا وبكثير من جمل هذه الخطبة أنّ القرآن لا تنتهي معانيه، وأنّه غضٌّ جديد إلى يوم القيامة. فقد تنزل الآية في مورد أو في شخص أو في قوم، ولكنّها لا تختصّ بذلك المورد أو ذلك الشخص أو أولئك القوم، فهي عامّة المعنى.

عن أبي عبد الله عليه السلام: "إنّ القرآن حيّ لم يمت، وإنّه يجري كما يجري الليل والنهار ، وكما تجري الشمس والقمر ، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا"11.

"ومنهاجا لا يضلّ نهجه" يُريد به: أنّ القرآن طريق لا يضلّ سالكه، فقد أنزله الله تعالى هداية لخلقه ، فهو حافظ لمن اتبعه عن الضلال.

"وتبياناً لا تُهدم أركانه" المحتمل في المراد من هذه الجملة أحد وجهين:

الأوّل: أنّ أركان القرآن في معارفه وتعاليمه، وجميع ما فيه من الحقائق محكمة لا تقبل التضعضع والانهدام.

الثاني: أنّ القرآن بألفاظه لا يتسرّب إليه الخلل والنقصان، فيكون فيها إيماءً إلى حفظ القرآن عن التحريف.

"ورياض العدل وغدرانه "12 أي أنّ العدل بجميع نواحيه من الاستقامة في العقيدة والعمل والأخلاق قد اجتمع في الكتاب العزيز، فهو مجمع العدالة وملتقى متفرّقاتها.

139

"وأثافي13 الإسلام" ومعنى ذلك: أنّ استقامة الإسلام وثباته بالقرآن كما أنّ استقامة القِدر على وضعه الخاصّ تكون بسبب الأثافي.

" وأودية الحقّ وغيطانه" يُريد بذلك: أنّ القرآن منابت الحقّ، وفى الجملة تشبيه القرآن بالأرض الواسعة المطمئنّة، وتشبيه الحقّ بالنبات النابت فيها. وفي ذلك دلالة على أنّ المتمسّك بغير القرآن لا يُمكن أن يُصيب الحقّ، لأنّ القرآن هو منبت الحقّ، ولا حقّ في غيره.

"وبحر لا ينزفه المنتزفون "14 وفيها أنّ المتصدّين لفهم معاني القرآن لا يصلون إلى منتهاه، لأنّه غير متناهي المعاني، بل وفيها دلالة على أنّ معاني القرآن لا تنقص أصلاً، كما لا تنضب العيون الجارية بالسقاية منها.

"وآكام15 لا يجوز عنها القاصدون...إلخ" والمراد أنّ القاصدين لا يصلون إلى أعالي الكتاب ليتجاوزوها. وفي هذا القول إشارة إلى أنّ للقرآن بواطن لا تصل إليها أفهام أولي الأفهام.

وقد يكون المراد أنّ القاصدين إذا وصلوا إلى أعاليه وقفوا عندها ولم يطلبوا غيرها، لأنّهم يجدون مقاصدهم عندها على الوجه الأتمّ16.

أحسن الحديث

يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "وَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ وَأَحْسِنُوا تِلَاوَتَه, فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ. وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ

140

مِنْ جَهْلِهِ بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ وَهُوَ عِنْدَ اللهِ أَلْوَمُ"17 .

جمع أمير المؤمنين عليه السلام في هذه العبارات آيات عديدة من المصحف تشير إلى صفة القرآن وقيمته، فالقرآن أحسن الحديث لقوله تعالى:

﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ 18.

وفيه الشفاء والرحمة:﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ 19.

وفيه الموعظة وشفاء الصدور:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ 20.

وهو أحسن القصص: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ 21.

ويقول الإمام عليه السلام: "وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ﴾ 22وَفِيهِ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ. وَذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ 23 وَإِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ وَلَا تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ وَلَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِهِ"24.

141

فالله أحصى كلّ شيء في القرآن ففيه تبيان كلّ شيء، لكن لا يمسّه إلّا المطهّرون. فكيف ينبغي أن يكون تعاملنا مع القرآن؟

يقول أمير المؤمنين عليه السلام فيما أورده الشريف الرضي رض عنه عليه السلام في النهج: "وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ وَالْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ وَلَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى، فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ, فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْغَيُّ وَالضَّلَالُ. فَاسْأَلُوا اللهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ وَلَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ. إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللهَ تَعَالَى بِمِثْلِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ"25.

فإذا كان أحدنا مريضاً فعليه بالقرآن وإن كان به شدّة فعليه بالقرآن، وكذا يُتوجّه به إلى الله في الحوائج، وتُرجى شفاعته يوم القيامة، ومن أراد أن يعرف الصحيح من السقيم، والهدى من الضلال، فما له غير القرآن دليلاً وهادياً ومرشداً.

ويقول عليه السلام: "وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيى لسانه، وبيت لا تهدم أركانه، وعزّ لا تهزم أعوانه"26.

وهنا الإمام يطلب منّا التمسّك بالكتاب الإلهيّ فبه يكون السؤدد والعزّ والغلبة،

142

والعكس صحيح فلو تركنا القرآن وخلّفناه وراء ظهورنا وهجرناه فلا شكّ أنّ الذلّ والفقر والحرمان سيطرق أبوابنا، وسنخسر الدنيا والآخرة.

القرآن في آخر الزمان

يخبرنا الإمام عليّ عليه السلام عن زمان يأتي على أمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تترك فيه القرآن وتتخلّى عنه وتجعله سلعة وزينة لا أكثر، لا تُقيم الحقّ الّذي فيه ولا تُبطل ما أبطله، ففي نهج البلاغة روي عن الإمام عليه السلام قوله:

" وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ, وَلَا أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَ لَا فِي الْبِلَادِ شَيْ‏ءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَلَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ. فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ، وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لَا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ.

فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ وَمَعَهُمْ وَ لَيْسَا مَعَهُمْ, لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى وَإِنِ اجْتَمَعَا. فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ وَافْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ, كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا اسْمُهُ وَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَزَبْرَهُ 27"28 .

ولا شكّ أنّ من أعظم النعم علينا نعمة القرآن، فهل أدّينا حقّ هذه النعمة، أم هجرناها وتركناها؟ فما نالنا من ذلك إلّا الخسران. وسنكون موضعاً لشكوى الرسول يوم القيامة حيث يقول تعالى:﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ 29 ، فينبغي لنا أن نعمل بالقرآن للدنيا والآخرة ونجعله إمامنا وقائدنا نعمل به ونهتدي بهداه، وذلك كما أوصى أمير المؤمنين عليه السلام في

143

آخر لحظات حياته حيث قال لأبناءه عليهم السلام: "والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم"30.

أهل القرآن

في صفة المتّقين يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ. فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ"31.

فالمؤمنون المتّقون هم أهل القرآن لا يسبقهم بالعمل به أحد، لهم أذن واعية، إن مرّوا على القرآن لم يمرّوا مرور الكرام بل جعلوه منارة هَدي ورشاد، يستذكرون به أحوالهم ويُحاسبون به أنفسهم، ويرغبون في عطاء الله، ويسألونه العفو والنجاة من العذاب.

سمعوا القرآن وسمعوا به، وأبصروه وتبصّروا به، فهم معه وهو معهم، كروح واحدة لأنّ القرآن طريق العبد إلى معبوده، وهنا يقول الأمير عليه السلام: "كتاب الله تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، لا يختلف في الله، ولا يخالف بصاحبه عن الله" 32.

ويقول عليه السلام في صفة عباد الله المخلصين: "قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه. يحلّ حيث حلّ ثقله وينزل حيث كان منزله"33 .

144

خلاصة الدرس

شكّل القرآن بستاناً لكلّ متذوّق في العلوم وطالب للمعالي، وأهل البيت عليهم السلام هم السبيل إلى بيان ما يخفى علينا فيه لأنّهم عدله، وكما ينبغي التمسّك به ينبغي التمسّك بهم.

والقرآن منهاج حقّ لكلّ سالك إلى الله، وفيه تبيان كلّ شيء وفيه الهداية والشفاء والرحمة والعزّ والشفاعة، وهو أحسن الحديث.

إلّا أنّ زماناً أخبر عنه أمير المؤمنين عليه السلام لا يعرف فيه من القرآن إلّا اسمه ورسمه، ولا تُقام حدوده ولا يُلتزم بأحكامه.

وللمتقين علاقة خاصّة بالقرآن فإذا سمعوا آياته لا يمرّون عليها مرور الكرام بل يصغون إليها مسامع قلوبهم، ويُعملون مفاهيمها في حياتهم.

أســــــئـلـــة

1- اذكر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الّذي يشير إلى أنّ أهل البيت عليهم السلام عِدل القرآن.
2- اذكر بعض صفات القرآن.
3- كيف يكون القرآن في آخر الزمان؟
4- اذكر بعضاً من حديث الأمير عليه السلام في علاقة المتّقين بالقرآن.

145

هوامش

1- مسند أحمد، ج3، ص14.
2- نهج البلاغة، ج2، ص44.
3- سورة آل عمران، الآية: 7.
4- سورة الواقعة، الآيات: 77-79.
5- سورة الأحزاب الآية: 33.
6- وهو من حواريّي الإمامين الصادق والباقر عليهما السلام.
7- سورة آل عمران، الآية: 7.
8- سورة آل عمران، الآية: 7.
9- الكافي, الشيخ الكليني, ج 1, ص 213.
10- نهج البلاغة, ج 2, ص 177.
11- بحار الأنوار، المجلسي، ج35، ص404.
12- الرياض جمع روضة، وهي الأرض الخضرة بحسن النبات. والغدران جمع غدير وهو الماء الذي تغدره السيول. والعدل الاستقامة.
13- الأثافي كأماني جمع أثفية, بالضم والكسر, وهي الحجارة التي يوضع عليها القدر .
14-نزف ماء البئر : نزح كله .
15- والآكام جمع أكم ، كقصب ، وهو جمع أكمة ، كقصبة ، وهي التلّ .
16- البيان في تفسير القرآن ، السيّد الخوئي {، ص21-24، بتصرّف.
17- نهج البلاغة, ج 1, ص 216.
18- سورة الزمر، الآية: 23.
19- سورة الإسراء، الآية: 82.
20- سورة يونس، الآيات: 57- 58.
21- سورة يوسف، الآية: 3.
22- سورة الأنعام، الآية: 38.
23- سورة النساء، الآية: 85.
24- نهج البلاغة, ج 1, ص 55.
25- نهج البلاغة, ج 2, ص 91 - 92.
26- م. ن, ج 2, ص 16.
27- أي كتابته.
28- نهج البلاغة, ج 2, ص 30 - 31.
29- سورة الفرقان, الآية: 30.
30- نهج البلاغة، الخطبة 286.
31- م. ن, ج 2, ص 161 - 162.
32- م. ن, ج 2, ص 17.
33- م. ن, ج 1, ص 153.

يتبع

اخـــــــــــر مواضيعــــــــي






رد مع اقتباس Share with Facebook
   
إضافة رد


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 04:55 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.9 Beta 1

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 1
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.